التلوّث البصري.. عبث الإنسان بالذوق العام

 
يؤدي التلوث البصري إلى مشكلات نفسية وجسدية، تبدأ من القلق، والتوتر، والضغط النفسي، لتمتد إلى جسد الإنسان وتصيبه بأمراض القلب والقولون والسكري.  


ويعرف التلوث البصري بأنه كل تشوه يؤذي نظر الإنسان ويسبب له الانزعاج وعدم الراحة، والقلق النفسي على المدى الطويل، بحيث يفقد الحس الجمالي من حوله، وذلك باستبدال المناظر الجميلة بأخرى متضاربة ومتنافرة، وبمعنى أسهل إنه عبث الإنسان بالذوق العام، وخدشه عمداً أو من دون قصد، وتحويل محيطه إلى مكان يعج بالعناصر السلبية، والتي تؤدي إلى اختفاء الصورة الجمالية من كل شيء، وإصابته بأمراض نفسية وجسدية تؤثر في حياته اليومية.


وتتعدد أسباب التلوث البصري مثل سوء أو إهمال التخطيط العمراني للمدن ورداءة تصاميمها الفنية والتفاوت الكبير في الطبقات الاجتماعية، كما يلعب التقدم الاقتصادي دوراً كبيراً وفعالاً في نشوء أو اختفاء هذه الظاهرة السلبية. ففي البلدان الغنية والمتقدمة، تضبط القوانين والنظم والوعي الاجتماعي والثقافي ظاهرة التلوث هذه وتعمل على الحد منها في حين تتسبب فوضى الاقتصاد الضعيف والمشتت وقلة الوعي العام والخاص بسيطرته على صورة العاصمة والمدن الكبرى بحيث تصبح المناظر البشعة أمراً طبيعياً ومألوفاً للعين البشرية، ليرافقها تخلي الإنسان عن المعايير الجمالية.


علاج متكامل
ويؤكد الطبيب النفسي علي الحرجان أن التلوث البصري يلعب دوراً مهماً في حياة الإنسان، ولكن بالمعنى السلبي، البيئة البصرية تتكون في الدماغ من خلال دخول الصور والمشاهد المؤثرة إيجابياً أو سلبياً عبر العينين إلى الدماغ، حيث تتكدس وتخزن. وعندما تصل إلى الدماغ، تؤدي الصور البشعة والمؤذية إلى تغييرات كيمائية وبالتالي إلى آثار جسيمة نفسية وجسدية، بخاصة أنها تصبح مخزنة في ذاكرته الواعية واللاواعية. 


وبما أن المحيط يؤثر في نفسـية الإنسان، تبدأ آثار التلوث بالمشـكلات النفسية مثل التوتر والضيق والعصبية الزائدة والسلوك المضطرب وتزداد سوءاً لتصبح أمراضاً جسـدية مثل ارتفاع الضـغط والقلب والسـكري وأوجاع المفاصل والقولون وصعوبة في التنفس. 


ينصح الحرجان، الذي يعالج مرضى مصابين بالتلوث البصري، بالابتعاد عن العمران العشوائي وزحمة السكان والبحث عن الهدوء والأماكن المفتوحة وغير المزدحمة مثل الطبيعة لأنها تحفز استقرار الحالة النفسية المفعمة بالآثار الإيجابية والمحفزة على الاسترخاء والراحة النفسية والجسدية. وكذلك، يرى الطبيب أن الحل يبدأ في عدم التركيز على المناظر أو الصور التي تسبب الانزعاج أو تحاشيها وتجنبها، بحيث قال «يجب أن يشغل المرء نفسه عن هذه الصور»، ويقترح على سبيل المثال أن يشغل المرء الراديو ويستمع إلى الموسيقى في طريقه إلى العمل عوضاً عن النظر إلى المباني والمتاجر والمناظر الاصطناعية.


ومن الحلول المقترحة، يشجع الحرجان المصابين بآثار التلوث البصري السلبية النفسية أو الجسدية على الفرار في نهاية الأسبوع والذهاب في إجازات خارج المدينة أو الانخراط في العلاقات الاجتماعية مع الأصدقاء. أما في أسوأ الحالات وعندما تصبح الآثار مدمرة وتهدد حياة المرء، ينصح الحرجان المريض بتغيير مكان سكنه أو عمله أو وجوده، وحتى لو اضطر للابتعاد عن عائلته والهجرة إلى منطقة أو بلد آخر.


ومن وجهة نظره كطبيب نفسي، يشرح الحرجان أن علاج التلوث البصري يجب أن يكون متكاملاً في بعض الأحيان من الناحية النفسية والطبية إذ إن المريض لن يتمكن من المضي قدماً في حياته في حال لم يعالج هذا المرض المؤذي والمزمن خصوصاً أن العمران في طريقه إلى الازدياد، وزحمة السير كذلك، ويشير إلى أنه يضطر لوصف أدوية تساعد على التقليل من حالة التوتر والقلق والأرق.


دبي أفضل للعيش
على الرغم من الزحمة الخانقة والعمران المتقدم، تصنف مدينة دبي المكان الأنسب للتسلية والمرح والعطلات بحيث تمكنت من جذب الملايين من السياح العرب والأجانب، فقد تحولت هذه الإمارة الخليجية إلى مقصد لمحبي السياحة الترفيهية، بسبب تزايد اهتمام الجهات الرسمية والخاصة لجعلها مدينة سياحة طيلة أشهر السنة. وقد تمكنت دبي من منافسة مدينتي بيروت والقاهرة في مجال التسلية والثقافة لتكون المدينة الخليجية الوحيدة التي تتقدم على تلك المنتشرة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وذات المناخ المعتدل نسبياً.


ومن ناحية أخرى، تعاونت إدارة التخطيط والمسح في بلدية دبي مع الجامعة الأميركية في دبي بغية إعادة تأهيل المناطق التجارية في دبي وبخاصة ديرة وبر دبي المكتظتان سكانياً وعمرانياً خلال منتدى لتخطي صعوبات التخطيط الحديثة. وقد عقد منتدى «دبي للتنمية العمرانية المستدامة» لمعالجة مشكلات النمو العمراني الكبير الحاصل في الإمارة، التي أمست مدينة جاذبة في المنطقة والعالم والرائدة في كل المجالات، ما استدعى مواجهة التحديات التي ستعاني منها بخاصة في الأماكن الشعبية. وأشار المنتدى إلى أن بلدية دبي ارتأت إعادة تأهيل هذه المناطق، التي كانت مقصد رجال الأعمال والتجار قبل افتتاح المراكز التجارية، وتحسينها بعد أن تحولت إلى مقر ذوي الدخل المحدود نسبياً. 


حياة مدهشة   
يؤكد سائد، موظف سوري انتقل للعيش في دبي منذ ثلاثة أعوام، أن الحياة في دبي مختلفة جداً عن دمشق حيث الأجواء ما زالت شعبية وتقليدية نوعاً ما، غير انه اعتاد على حياته الجديدة وتأقلم مع  دبي وأضوائها وصورها المكتظة بالزحمة والناس والعمران. وعلى الرغم من الاختلاف، يشير سائد إلى أن الإنسان يضطر للتأقلم مع محيطه الجديد لأن متطلبات الحياة تفرض ذلك، لكنه يضيف أنه يفضل العيش في دمشق حيث الشوارع والبيوت القديمة في الشام وعبق التاريخ والحضارة في حين تنتشر الأبراج العالية في دبي والمناطق المكتظة بالسكان والمحال التجارية.


أما شاديا اللبنانية، والتي قصدت دبي منذ عام ونيف، فقد قالت إنها لم تستغرب الحياة في دبي لأنها كانت تعيش في مدينة بيروت حيث الاكتظاظ العمراني والسكاني، لكنها اعترفت بالفرق الشاسع بين بيروت ودبي التي تشهد تطوراً عمرانيا كبيراً وغير مألوف في العالم العربي. وتؤكد شاديا أن العيش في دبي «كالسهل الممتنع»، بحيث يستمتع الإنسان بحياته العملية والشخصية إلا أنه قد يعاني من مشكلات التوتر والضغط والنفسي والإرهاق.


واندهشت كارين، التي تعمل في مجال العلاقات العامة في دبي، بوجود الأبراج الشاهقة في دبي وشارع الشيخ زايد بالتحديد وشبّهتها بالمدن الغربية مثل نيويورك ولوس أنجلوس، وقد أحبت العيش هنا لأنها تشبه الحياة الغربية. تستمتع كارين بمشاهدة الأبراج العالية والمضيئة في الليل وكأنها نجوم متلألئة، في حين تنزعج شقيقتها نينا من الزحمة والبيوت والمباني القديمة في ديرة أو بر دبي، كما تتضايق كثيراً عندما تضطر للدخول إلى الكرامة أو السطوة حيث تكثر المتاجر العشوائية واللوحات الملونة، لذلك تأخذ بين الحين والآخر إجازات تسافر فيها إلى وطنها الأم أو تقصد أحد المنتجعات السياحية في إمارة الفجيرة بغية الترويح عن نفسها والتخفيف من حجم التوتر والضغط اليومي. وتشاطرها الرأي مايا، التي تعيش في دبي منذ عام 2005، لأنها تكره الزحمة والتنقل في شوارع دبي خلال النهار، لكنها تقر على مضض أنها مضطرة للعيش في دبي حيث تعمل إلا أنها تزور العاصمة أبوظبي في نهاية كل أسبوع، حيث تقيم شقيقتها المتزوجة، ما يعطيها متنفساً من الحرية بعيداً عن دبي، كما تضيف أنها تذهب في رحلات جماعية مع أصدقائها إلى منتجعات سياحية أو رحلات قريبة. 


مظاهر التلوّث البصري   

 تتعدد مظاهر التلوث البصري وتتفرع في المدن وشوارعها وأحيائها وطرقها الرئيسة والفرعية، وأبرزها:


انعدام التناسق بين المباني القديمة والحديثة المجاورة وسوء التنظيم العمراني مثل اختلاف ألوان الدهان أو زجاج وألمنيوم الشبابيك وأبواب الشرفات أو الإعلانات الكبيرة على السطوح وألوانها الكثيرة والمتضاربة.. 
   
انتشار المباني والعمران بالقرب من الأماكن الأثرية أو المقابر. 
   
كثرة براميل النفايات في الشوارع ومخلفاتها على الأرض، ناهيك عن رائحتها الكريهة.  
    
ازدحام الشوارع بالباعة المتنقلين والمنتشرين في الشوارع الرئيسة والتجارية.    

تفاوت ارتفاع المباني المجاورة أو وجود مبانٍ قديمة ومهدمة بالقرب من الأبراج الشاهقة.   
   
زحمة واجهات المحال التجارية واختلاف أحجامها وألوانها وأضوائها أو تحوّل مظلاتها إلى مقر للأوساخ والغبار.
    
تنوع أعمدة الإنارة وعدم تناسقها أو ارتفاعها الشاهق عن الأرض.     

ترك السيارات القديمة أو المحطمة على جوانب الطرقات.
    
سوء تنظيم وضع الأطباق الهوائية أو كابلات الكهرباء.
     
إغلاق الشرفات عشوائياً وتحويلها إلى غرف صغيرة.  
   
تصاعد دخان الشركات والمعامل الملوثة.   
 
إقامة المباني في مواجهة المناظر الطبيعية ما يؤدي إلى إعاقة التمتع بجمالها، أو ترك الطبيعة مهملة.