مناديس ومداخن وسفن تراثية أعمال نزلاء أبوظبي.. من خلف القضبان إلى الحرية

مناديس ومداخن بخور وطاولات وكراسي تقليدية وسفن تراثية. اعمال خرجت من السجن الى عالم الحرية والنور، لتؤكد للعالم ان وراء القضبان وخلف زوايا الجدران الاربعة المغلقة؛ توجد حياة ثانية. قد لا يمكننا ان نعيشها أو نتصورها، ولكنها بلا شك حياة تحمل بداخلها حب الحياة والانتاج، لا بل وتتعدى الفن لتصل الى الابداع. على مساحة لا تتجاوز أمتاراً قليلة، وفي جناح مستقل، عرضت ادارة المنشآت الاصلاحية والعقابية، التابعة لشرطة ابوظبي، في القرية العالمية ضمن مهرجان دبي للتسوق في دورته الـ13، هذه الاعمال الفنية التي انجزها السجناء داخل السجن. الاعمال الفنية المصنوعة من الخشب والنحاس، تستوقف المارة وتحفزهم للسؤال والاستفسار عنها، لا سيما بعد قراءة اللافتة المعرفة بالجناح، والتي تدل على تبعيته لشرطة ابوظبي، التي بدورها ادخلت نظام الورش الانتاجية والفنية الى حياة السجن، ليكون هذا المكان بمثابة واجهة تبرز تحضر دولة بأكملها. هذا ما اكده لنا المسؤول عن المعرض، والذي يعمل في فرع الانتاج والتسويق في ادارة المنشآت الاصلاحية والعقابية في شرطة أبوظبي محمد الشحي، الذي قال ان «مشاركتنا في القرية العالمية للسنة الثانية على التوالي، وبشكل منفصل عن القرية الاماراتية، أتت بدعم من الحكومة التي قدمت لنا هذه المساحة من الارض لنعرض عليها اعمال النزلاء، ومن دون مقابل». وتأتي هذه المبادرة في اطار «العمل على دحض النظرية الشائعة لدى الغرب عن سجون العالم العربي، اذ يعتقدون بأن العرب يستخدمون السجن كمكان للتعذيب والعقاب»، وتابع الشحي «انه وبتوجيهات من سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد ابوظبي، ووزير الداخلية سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، أقمنا في السجن العديد من الورش الفنية القادرة على تقديم صورة راقية ومتحضرة عن وضع السجون في الامارات، لنثبت ان السجن اصلاح قبل ان يكون عقابا، وهذا ما دفعنا الى التعديل في اسم السجن الذي تحول من ادارة المنشآت العقابية والاصلاحيةا ليصبح ادارة المنشآت الاصلاحية والعقابية. وكذلك استعضنا عن كلمة سجناء بكلمة نزلاء للتخفيف من حرج ومعاناة الموجودين داخل السجن». حقوق عمالية يخضع النزلاء لقانون العمل، الذي يطبق على أي عامل، كما ان العمل في الورش اختياري، ولا يخضع لعامل الاجبار، ولكن هناك اقبالا كثيفا من النزلاء على هذه الورش. ويحصل العاملون على اجر مادي يتراوح بين أربعة دراهم وحتى ثمانية دراهم للشخص خلال اليوم، اعتمادا على مهارته الفنية وخبرته، ومدى تمكنه من العمل. بالاضافة الى حقوقه بالاجازات السنوية والرسمية، او حقوقه حين يغادر السجن، إذ يحصل على كامل مستحقاته المالية». دعم حكومي  تدعم الحكومة إدارة المنشآت الاصلاحية والعقابية بميزانية سنوية، ومن هذه الميزانية يتم تأمين المواد الاولية التي يحتاجها النزلاء لإنجاز اعمالهم، بالاضافة الى رواتب النزلاء والمكافآت والحوافز. واكد الشحي ان ادارة السجن تحاول اعادة المبلغ في نهاية السنة، وذلك من خلال بيع القطع في المعارض، ولكننا قد لا ننجح في اعادة المبلغ لأننا جهة غير ربحية ونبيع القطع بسعر التكلفة، فسعر المندوس الكبير الذي يستغرق شهراً متواصلاً من العمل لا يتجاوز الـ2500 درهم، في حين تباع القطع الصغيرة بـ150 درهما، وفي بعض الحالات تباع القطعة بما يفوق التكلفة الإنتاجية، ونقدم هذه المبالغ للنزلاء كمكافآت. وعن المواد المستخدمة في المناديس والمداخن والمرايا، قال الشحي ان هذه القطع تصنع من الخشب والنحاس المحفور والدبابيس، وقد يدخل بعض القطع الصدف. ونزود العمال بأنواع متباينة من الخشب ومنها خشب المورانتي الاحمر، والخشب الابيض. وان لجوءنا الى هذه الانواع التجارية، وابتعادنا عن الاخشاب الثمينة كخشب الصندل او الجوز، الذي غالبا ما يستخدم في الاعمال الحرفية، يعود الى محاولتنا التخفيف من تكلفة القطع قدر الامكان، لنتمكن من بيعها لاحقا في المعارض التي نشارك بها. مساحة ضيقة وبالاضافة الى ورشة صناعة القطع التراثية الاماراتية، هناك العديد من الورش الفنية الاخرى التي تقام في السجن، ولكن غيابها عن القرية كان بسبب ضيق المكان الذي حدد عدد المعروضات.  واكد الشحي «انه كان يفترض ان تكون هناك شاشة تعرض الاعمال التي يقوم بها النزلاء داخل السجن، وكذلك كيفية العمل على إصلاح هؤلاء النزلاء، من خلال المحاضرات والتدريب، ولكن المساحة الصغيرة وضيق الوقت منعانا من ذلك، ما جعلنا نكتفي بتوزيع بعض النشرات الخاصة عن اعمال السجن، وكذلك المجلة الفصلية التي نصدرها تحت اسم «حريتي» والتي نخصص من مساحتها ما يوازي 80% لعرض اعمال النزلاء». إقبال الزوار جذبت هذه الاعمال المستمدة من تراث الامارات الكثير من المارة، وكانت لديهم استفسارات حول هوية منفذي القطع، لا بل وكان لدى البعض طلبات خاصة من القطع، التي اكد الشحي ان «النزلاء المتعددي الجنسيات، والذين تتراوح اعمارهم بين الخامسة والعشرين، والخمسين، مستعدون لتنفيذ هذه الطلبات الخاصة».  وفيما اذا كانت هذه الدورات التدريبية قد حققت هدفها الاصلاحي، اكد الشحي ان هذه السياسة التي انتهجتها الحكومة خففت من المشكلات النفسية التي كان يتعرض لها النزلاء داخل السجن، وذلك وفقا لاحصاء أجريناه، بين ان صحة المساجين تحسنت على نحو كبير.  بالاضافة الى ان هناك عددا من السجناء من الجنسية البنغالية يرسلون الاموال التي يجمعونها من عملهم الى ذويهم في بلدهم، وهذا يعتبر عاملا محفزا اضافيا يساعد على إصلاح أمور النزلاء».

طباعة