مشهد ينتظره الإماراتيون بفرح.. تباشير الرطب على الأبواب

مع نهاية الشهر الجاري، وفي مشهد سنوي ينتظره الإماراتيون بشغف، تستعد مزارع النخيل المحلية لاستقبال أولى تباشير رطب «النغال»، باعتباره الإعلان الرسمي لدخول موسم «القيظ» الذي ارتبط في وجدان المجتمع بالخير والرزق وذكريات الصيف.

ويُعد «النغال» أول أصناف الرطب نضوجاً في الإمارات، ولذا يطلق عليه المزارعون لقب «بشارة القيظ»، لأنه يسبق جميع الأصناف الأخرى في طرح الرطب، فيتحول إلى بشارة موسمية تترقبها الأسر عاماً بعد عام، ويُقبل الناس على شرائه فور ظهوره في الأسواق باعتباره باكورة إنتاج المزارع المحلية.

ويبدأ ظهور تباشير «النغال» عادة في أواخر مايو، ويستمر خلال يونيو تقريباً، قبل أن تتوالى بعده بقية أصناف الرطب المختلفة التي تملأ الأسواق طوال فصل الصيف، وصولاً إلى الأصناف المتأخرة مثل «الهلالي» و«الخصاب»، اللذين يختتمان موسم الرطب في الدولة.

ومع ارتفاع درجات الحرارة في الإمارات، يبدأ الأهالي في متابعة أخبار القيظ ومواسم الرطب، بعد انتهاء موسم «التنبيت» الذي يتم خلاله تلقيح النخيل استعداداً لإنتاج الثمار، حيث تتجه الأنظار مع اقتراب الصيف إلى «النغال» بوصفه أول بشائر الموسم الزراعي الأهم في الذاكرة الشعبية الإماراتية.

كما تترقب الأسواق المحلية وصول بشائر الرطب القادمة من سلطنة عُمان، التي تشتهر بطرح الرطب مبكراً في بعض المناطق الزراعية، حيث تصل تباشيرها إلى أسواق الدولة بأسعار مرتفعة نسبياً، إلا أن قيمتها المعنوية والتراثية تجعل الإقبال عليها كبيراً، إذ ينظر إليها الناس باعتبارها «بشارة خير» أكثر من كونها مجرد فاكهة موسمية.

عناية عام كامل

من جهته، أكد المواطن (أبومحمد) أن موسم «القيظ» كان قديماً من أهم المواسم الاقتصادية والاجتماعية التي ينتظرها المزارعون سنوياً بعد عام كامل من العناية بالنخلة والاهتمام بها، موضحاً أن بداية ظهور الرطب كانت تمثل لحظة فرح حقيقية للأهالي.

وقال: «يبدأ موسم القيظ مع نهاية مايو أو بداية يونيو تقريباً، عندما تبدأ أشجار النخيل بإنتاج الرطب بشكل متتابع حسب نوع النخلة وموقعها، ويُعرف القيظ بأنه موسم جني الرطب وبعض الفواكه الصيفية الأخرى مثل الهمبا (المانجو) والعنب والتين والليمون».

وأضاف أن «النغال» أول أنواع النخيل التي تأتي بتباشير الرطب في الإمارات، ولذلك يطلق عليه «بشارة القيظ»، كونه أول من يطرح الرطب قبل بقية الأصناف، فتتجه إليه أنظار الصغار والكبار بمجرد أن تبدأ ثماره بالتحول من «البسر» إلى الرطب.

طقس تراثي

وأوضح (أبومحمد) أن الأطفال والشباب قديماً كانوا يتسابقون للوصول إلى عذوق النغال بمجرد نضوج الثمار الأولى، فيقومون بجمع البسر وحفر حفرة صغيرة في الرمل لدفنه لفترة معينة حتى يتحول إلى رطب، والتي كانت تمثل طقساً تراثياً ارتبط بفرحة الصيف والقيظ.

وأشار إلى أن فرحة الإماراتي كانت تصل ذروتها عندما يجني أولى حبات الرطب من نخيله، إذ يذهب بها مباشرة إلى أسرته ليبشرّهم ببدء موسم الرطب، أو يهديها إلى والديه إذا كانا على قيد الحياة، في مشهد يعكس عمق العلاقة بين الإماراتي والنخلة التي شكلت جزءاً أصيلاً من حياته وتراثه.

وبيّن أن النخيل في الإمارات متعدد الأصناف والألوان، حيث عرفت الدولة منذ القدم عشرات الأنواع التي تجود زراعتها في مختلف المناطق، من بينها النغال والجش والفرض والشحام والمسلي والخصاب وبومعان والخنيزي وبوسويح والهلالي والخلاص والدباس والرحيبي والهيري وبوخموس وبوالعذوق واللولو ونبتة سيف وغيرها من الأصناف التراثية المعروفة.

وذكر أن بعض الأصناف يتميز بألوانه المختلفة، فـ«الخنيزي» يشتهر بلونه الأحمر الفاقع، بينما «الخلاص» بلونه الأصفر الفاتح، كما تختلف التمور في مذاقاتها، فهناك أصناف عُرفت بحلاوتها الزائدة مثل «السكري» و«الحلوة»، إلى جانب أخرى تختلف بحسب موعد نضجها بين المبكر والمتوسط والمتأخر.

وتشير مصادر زراعية إلى أن أصناف التمور في الإمارات تصل إلى نحو 250 صنفاً، منها 135 صنفاً تعرف باسم «الخرايف»، بينما يطلق على بقية الأصناف اسم «الساير»، وتختلف تسميات الأنواع بحسب لون الثمرة أو شكلها أو موعد نضجها أو حتى المناطق التي تزرع فيها.

ويعد «النغال» الصنف المبكر الأول في الإمارات، فعند ظهوره لا يكون هناك أي نوع آخر من الرطب في الأسواق، ولذلك ينظر إليه الأهالي باعتباره بداية موسم الرطب الحقيقي، وما إن ينتهي موسمه حتى تبدأ الأسواق بالامتلاء تدريجياً بمختلف أصناف الرطب الأخرى.

تحت ضوء القمر

وتابع (أبومحمد) أن ليالي القيظ كانت تحمل طابعاً اجتماعياً وتراثياً جميلاً، حيث يجتمع الناس بعد غروب الشمس في جلسات السمر تحت ضوء القمر، وسط أجواء مليئة بخيرات الصيف من الرطب والفاكهة الموسمية، لافتاً إلى أن تلك الأيام مازالت حاضرة في ذاكرة كبار السن رغم تغير أنماط الحياة الحديثة.

وشدد على أن النخلة لم تكن مجرد شجرة بالنسبة للإماراتيين، بل كانت مصدر عطاء متكامل، إذ استفاد الأهالي من ثمارها وسعفها وخوصها وليفها وحتى جذوعها، كما استخرجوا من لب النخلة مادة تعرف باسم «الحيب» ذات المذاق الحلو.

ونوه بأن رحلة جني الرطب تمر بمراحل عدة تبدأ مع ظهور «التباشير»، ثم موسم «الخراف» الذي يشهد ذروة إنتاج الرطب، وصولاً إلى مرحلة «اليداد» التي تعد آخر مراحل حصاد التمور وتجفيفها وتخزينها للاستفادة منها طوال العام.

وأكد (أبومحمد) أن الإمارات شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً كبيراً في زراعة النخيل وإنتاج التمور بفضل اهتمام القيادة بالقطاع الزراعي والمحافظة على الموروث التراثي، ما انعكس على تنظيم مهرجانات متخصصة بالرطب والتمور في مختلف إمارات الدولة، بهدف دعم المزارعين وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالنخلة وقيمتها الثقافية والاجتماعية.

من جهته، قال المواطن (أبوعلي) إن تباشير رطب «النغال» تظهر مع نهاية الشهر الجاري، متوقعاً أن يبدأ موسم القيظ فعلياً خلال الأيام الأولى من يونيو المقبل، موضحاً أن الموسم هذا العام يختلف عن العام الماضي الذي تزامنت فيه تباشير النغال مع عيد الأضحى المبارك.

وأضاف أن العيد هذا العام سيأتي مبكراً، ولذا فإن ظهور الرطب سيكون بعده بفترة قصيرة، لافتاً إلى أن كثيرين من الأهالي مازالوا يحرصون على شراء أولى تباشير الرطب المحلي فور نزولها للأسواق مهما ارتفع سعرها، لأنها تحمل قيمة معنوية وتراثية خاصة.

رمز للارتباط بالأرض

أسهم تسجيل النخلة ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في تعزيز مكانتها عالمياً، باعتبارها رمزاً حضارياً يعكس ارتباط شعوب المنطقة بالنخيل منذ مئات السنين، ويبقى «النغال» بالنسبة للإماراتيين أكثر من مجرد صنف من الرطب، إذ يمثل بشارة الصيف ورمزاً للخير وذاكرة حية تعيد للأذهان صور المزارع القديمة وفرحة الأهالي بأول الرطب، في موسم ظل لعقود طويلة جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة الإماراتية وتراثها العريق.

• 250 صنفاً من التمور في الإمارات.

المواطن (أبومحمد):

• النخلة لم تكن مجرد شجرة للإماراتيين، بل كانت مصدر عطاء متكامل، إذ استفاد الأهالي من ثمارها وسعفها وخوصها وليفها وحتى جذوعها.

المواطن (أبوعلي):

• كثيرون من الأهالي مازالوا يحرصون على شراء أولى تباشير الرطب المحلي فور نزولها للأسواق، مهما ارتفع سعرها، لما تحمله من قيمة معنوية وتراثية.

الأكثر مشاركة