بيع الدمية «الأكثر رعبًا في العالم» بسعر قياسي.. لماذا تُباع الأشياء المخيفة بأسعار مرتفعة؟

شهدت مقاطعة ديربيشاير في بريطانيا بيع دمية خشبية نادرة تعود إلى مطلع القرن التاسع عشر، وُصفت من قبل بعض هواة المقتنيات بأنها «الأكثر رعبًا في العالم»، وذلك في مزاد علني انتهى بسعر فاق التوقعات وبلغ 3 آلاف جنيه إسترليني، بحسب ما أوردته صحيفة Daily Mail.

وكان منظمو المزاد قد قدّروا القيمة السوقية للدمية في نطاق لا يتجاوز 300 جنيه إسترليني، غير أن الاهتمام الكبير من قبل هواة جمع التحف والمقتنيات التاريخية أدى إلى ارتفاع حاد في السعر، ليُباع القطع في النهاية بمبلغ يعادل عشرة أضعاف التقدير الأولي، وذلك لصالح أحد جامعي المقتنيات الخاصة.

وتعود القيمة الاستثنائية للدمية، بحسب خبراء المزادات، إلى كونها ما تزال تحتفظ بزيّها الأصلي كاملاً، وهو ما نجا من عوامل الزمن دون تغيير يُذكر، الأمر الذي منحها بعدًا توثيقيًا نادرًا يعكس ملامح صناعة الدمى في القرن التاسع عشر. كما أسهمت حالتها الجيدة وندرتها في تعزيز اهتمام المشترين، خصوصًا أولئك الذين يركّزون على القطع ذات الطابع التاريخي غير المتكرر.

ويأتي هذا البيع في سياق سوق متنامية عالميًا للمقتنيات «الغريبة والنادرة»، حيث لم يعد الاهتمام مقتصرًا على القطع الثمينة التقليدية مثل اللوحات أو المجوهرات، بل امتد ليشمل الدمى والألعاب القديمة التي تحمل طابعًا بصريًا غير مألوف أو ملامح توصف أحيانًا بأنها «مخيفة»، وهو اتجاه مدفوع جزئيًا بانتشار منصات التواصل الاجتماعي وثقافة الاهتمام بالقطع الاستثنائية.

كما يشير مختصون في سوق التحف إلى أن المزادات البريطانية شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على مقتنيات القرن التاسع عشر، خصوصًا تلك المرتبطة بالطفولة أو الحرف اليدوية، إذ تُنظر إليها باعتبارها وثائق مادية تعكس الحياة الاجتماعية في تلك الفترة، وليس مجرد أدوات للزينة أو اللعب.

لماذا تُباع الأشياء المخيفة بأسعار أعلى؟
في السنوات الأخيرة، لم يعد سوق التحف والمزادات العالمية محصورًا في اللوحات الكلاسيكية أو القطع الأثرية النادرة، بل بدأ يتوسع نحو فئة غير تقليدية من المقتنيات: الأشياء "المخيفة" أو التي تحمل ملامح غير مريحة بصريًا، مثل الدمى القديمة ذات الوجوه المشوهة، أو التماثيل التي توصف بأنها مثيرة للقلق. هذا التحول يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا قد يدفع المشترون مبالغ أعلى مقابل أشياء تُفترض أنها منفّرة؟

خلف هذه الظاهرة يقف مزيج من العوامل النفسية والثقافية والسوقية التي بدأت تشكّل ما يمكن تسميته اليوم بـ"اقتصاد الغرابة" أو "سوق الجمال المقلق".

أول هذه العوامل هو ما يسميه علماء النفس بـ"جاذبية الغريب"، حيث يميل الإنسان إلى الانجذاب نحو الأشياء التي تثير التوتر البصري أو الغموض بدل النفور منها بالكامل. هذا التوتر بين الخوف والفضول يخلق حالة إدراكية خاصة تجعل العين تتوقف طويلًا عند الشيء الغريب، وهو ما يرفع من قيمته في سياق ثقافة المزادات التي تعتمد على الانتباه والندرة معًا.

العامل الثاني يرتبط بتغير ذائقة جامعي المقتنيات. ففي الماضي، كانت القيمة تُقاس بالندرة والجمال التقليدي أو التاريخ السياسي. أما اليوم، ومع تشبّع السوق بالتحف الكلاسيكية، بدأ الهواة يتجهون نحو "الاستثنائي" و"غير المألوف"، حتى لو كان ذلك على حساب الجاذبية البصرية. فكلما كانت القطعة أكثر غرابة، زادت قابليتها للتميّز وإعادة البيع في سوق يعج بالقطع المتشابهة.

أما العامل الثالث فهو التأثير المتزايد للثقافة الرقمية. منصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا تلك التي تعتمد على الصور والفيديو القصير، خلقت طلبًا جديدًا على المحتوى الصادم أو الغريب بصريًا. القطعة التي تبدو "مخيفة" لا تُشترى فقط لامتلاكها، بل أيضًا لتصويرها ونشرها، ما يمنحها قيمة إضافية في اقتصاد الانتباه.

ومن زاوية أخرى، يرى خبراء المزادات أن هذه الظاهرة ترتبط بتحول أعمق في مفهوم "الجمال" نفسه، إذ لم يعد الجمال معيارًا ثابتًا، بل أصبح متغيرًا يخضع للسياق الثقافي والرقمي. في هذا السياق، يمكن للشيء المقلق أو غير المريح أن يتحول إلى رمز فني أو قطعة استثنائية، تمامًا كما تحولت الدمية البريطانية إلى مادة نقاش وجذب إعلامي بعد بيعها.

في المقابل، تشير بعض الدراسات السوقية إلى أن هذا الاتجاه قد يتسع مستقبلًا مع دخول جيل جديد من الجامعين الشباب، الذين لا يرون في المقتنيات مجرد استثمار مالي، بل تجربة ثقافية أو حتى قصة قابلة للعرض. وهذا يعني أن القيمة لم تعد مرتبطة بالمادة وحدها، بل بما تثيره من شعور أو صدمة أو دهشة.

وبينما يستمر هذا السوق في التوسع، يبدو أن "الخوف" نفسه يتحول تدريجيًا من شعور سلبي إلى عنصر قيمة اقتصادية. وفي عالم يزداد فيه التشابه والنسخ المتكررة، قد تصبح الأشياء التي تثير القلق أو عدم الارتياح هي الأكثر طلبًا، لأنها ببساطة الأكثر قدرة على كسر النمط وجذب الانتباه في اقتصاد عالمي قائم على التميّز بأي ثمن.

الأكثر مشاركة