«الطباخ الفنان» سعيد سالم: الشغف بالطهي تحول إلى «باب رزق»

لم يكتفِ الفنان الإماراتي سعيد سالم بإمتاع جمهوره بأدواره الراسخة في الذاكرة المحلية فحسب، سواء من خلال الشاشة أو على خشبة المسرح، بل امتد إبداعه ليلامس حواسهم عبر وجه آخر من وجوه مواهبه المتعددة، وهو شغفه العميق بالطبخ التقليدي، الذي تحول منذ منتصف الثمانينات إلى تجربة تذوق خاصة في قلب أم القيوين، تقف اليوم شاهداً حياً على رحلة فنان مزج بين عشقه للتمثيل وحراسته للنكهات الأصيلة، وذلك، بعد أن بدأت حكايته الأولى مع الطهي من محاولة طفولية عفوية، لتصل إلى قائمة طعام غنية دأبت على عشق نكهاتها أجيال متلاحقة ونجوم من الخليج والعالم العربي، حلّوا جميعاً ضيوفاً على مطعم «وادي النيل».

وفي مستهل حواره مع «الإمارات اليوم»، يسترجع سعيد سالم بداياته الأولى في عالم المطبخ وتعلقه المبكر به، قائلاً: «مطعمي الذي تأسس بين عامَي 1986 و1987، كان في الأساس هواية تحولت إلى (باب رزق)، وذلك، بعد أن أحببت الطبخ منذ الصغر، وتعلمته من أمي وجدتي. وبعد ذلك، وفي رحلات الصبا، كنت أتولى مهام الذبح والطبخ، لدرجة أنني تعلمت أصول ذبح الذبيحة من عمي جمعة، ومازلت أتذكر أول تجربة لي عندما شعرت بالجوع عصراً وأنا صغير، فقررت أن أصنع (قرص الطابي) المكون من العجين والسكر، فدخلت المطبخ بمفردي، وقمت بمحاكاة صنع العجينة كما تفعل جدتي، ثم إشعال الفحم ووضع الصاج وكمية كبيرة من السمن، لتفاجئني بغتة، وفي منتصف العمل، جدتي الغاضبة وتضربني بسبب كمية السمن التي أهدرتها في الطبخ».

وأضاف سالم: «شكلت هذه الحادثة دافعاً قوياً لي لاكتشاف أسرار هذا العالم الفريد، فقمت لاحقاً بصنع (الخبيصة) في بيت الجيران، وهي واحدة من أشهر وأقدم الحلويات الشعبية التراثية. ومن وقتها، بدأت رحلتي في المجال، واستمر شغفي به حتى عندما التحقت بالقوات المسلحة، وطوال فترة سفري إلى مصر للدراسة، ما أسهم في تطوير تجربتي فيه، واكتساب المزيد من الخبرة والإتقان».

وحول قرار تحويل الهواية إلى مشروع، أوضح النجم الإماراتي: «يرجع الفضل الأول في ذلك إلى زوجتي، فهي لحسن حظي طباخة ماهرة، وصاحبة فكرة افتتاح المطعم، فقد كنا نطهو معاً في البيت، وهي التي جلبت العمال الذين علمتهم بنفسي فنون الطبخ قبل انتقالهم لمطبخ المطعم المبني على الطريقة الإماراتية القديمة، ويطرح قائمة طعام فريدة ومتنوعة من المطبخ المحلي لدولتنا ليكون جزءاً من ثقافة شعبها، وهو ما جعله اليوم من أبرز وجهات إمارة أم القيوين».

«جنك تتغذى في البيت»

وتابع سعيد سالم عن تميز قائمة الطعام الإماراتية الخاصة لديهم: «كل الأكلات تطبخ بطريقة المنزل نفسها، فعائلتي وإخوتي وأبنائي، جميعنا نأكل من هذا المطعم، لأن طريقة الطبخ، وخلطة البهارات، وطرق تجهيزها، تتم منزلياً، كما أنني أحرص على شراء المكونات الطازجة من السوق، ولا أسترخص أبداً في شراء مختلف أنواع السمك وأجودها، حفاظاً على معايير وشروط مطعمنا وشعاره وهو (جنك تتغذى في البيت)».

وأكمل حول أبرز ما تتضمنه القائمة: «نقدم تشكيلات متنوعة من الأطباق البحرية الشهية، مثل السمك المشوي في التنور على الحطب، و(الصافي المطفي) و(الصافي بسكوت) الذي ابتدعنا طريقة قليه ليصبح مقرمشاً، ويكون الأكثر طلباً على قائمتنا، كما نقدم أيضاً (الحبول) أي بيض السمك، و(البياح) الذي تشتهر به أم القيوين، و(القباب المبزر) المحشو بالليمون والبقدونس والبصل، إلى جانب (العيش المشحول) أو الرز الأبيض المشحول المغطى بالسمن المذاب، وطبق (العيش اللي تحته روبيان)، و(المكبوس المالح)، وغيرها من أصناف الطعام الإماراتية».

وأشار إلى أن قائمة طعام «وادي النيل» لم تتغير على مدى ما يقارب 40 عاماً، بل تطورت، فقد أدخلت أخيراً «سمك الجشيد الإماراتي» و«الروبيان بالروب» المشوي على الفحم بتتبيلة الروب الخاصة، مستطرداً: «أعتقد أن ما يميز المطبخ الإماراتي هو استخدام التنور وحطب السمر، الذي يعد من أغلى أنواع الحطب، ويمنح الطعام نكهة استثنائية، كما أن قائمة الطعام لدينا توسعت، ما دفع الكثير من مطاعم الإمارات إلى تقليدها وتكرارها، وذلك رغم صعوبة تنفيذها خارج البيوت، وعدم توافرها في المطاعم التجارية».

ذكريات وحنين

ولضمان استمرارية شروط الجودة، ذكر سعيد سالم: «يتم الاعتماد على التقييم المباشر لزبائن مطعمي التراثي، وأحرص على تعليم العمال فنون الخلطات بنفسي، لأنني أول من يأكل من هذا الطعام، وأول (متذوق) للطعام عموماً، ما يجعلني حريصاً دوماً على شروط الجودة، لهذا السبب وضعت رقم هاتفي الرئيس على باب المطعم لأتلقى باستمرار ملاحظات زبائني، وأتدخل لتعديلها على الفور في المطبخ».

ولم يُخفِ الفنان فخره وسعادته بزبائنه المخلصين: «لدي زبائن دائمون من الآباء الذين ورّثوا حب المكان لأبنائهم وأحفادهم، كما احتضن دفء هذا المطعم أبرز نجوم وفناني الإمارات والعالم العربي، ومن بينهم: الراحل حسن حسني، وعبدالحسين عبدالرضا، وعدد من نجوم الخليج، الذين دونوا أسماءهم وذكرياتهم الجميلة على لوحات ذكريات (وادي النيل) المليئة بالقصص والحنين».

حارس المذاقات الشعبية

يُعدُّ سعيد سالم الذي استحق عن جدارة لقب «الطباخ الفنان»، من أشد المدافعين عن هوية المطبخ المحلي، وقال: «إن الدفاع عن نكهاتنا ضرورة، ومطبخنا المحلي غني جداً بالنكهات والأطباق التقليدية الفريدة ذات المذاقات الشهية. أما شغف الطبخ فيرافقني في كل محطات حياتي، وصولاً إلى مواقع التصوير، في الوقت الذي يزخر فيه مكاني الأثير (وادي النيل) بالنكهات والذكريات التي يختلط فيها الفن بالطبخ، ونسمات المودة بنفحات الأصالة».

. أحرص على شراء المكونات الطازجة من السوق، ولا أسترخص أبداً في شراء مختلف أنواع السمك وأجودها، حفاظاً على معايير وشروط مطعمنا.

. 1986 بدأت حكاية مطعم «وادي النيل» على يد سعيد سالم.

. ما يميز المطبخ الإماراتي هو استخدام التنور وحطب السمر، الذي يعدّ من أغلى أنواع الحطب، ويمنح الطعام نكهة استثنائية.

الأكثر مشاركة