مؤثرون و«مشاهير تواصل» في اختبار الثقة ومرآة الأزمات.. سقط كثيرون وبقي الموقف
في لحظة تختبر فيها الأزمات مصداقية الخطابات، وتعيد فرز المواقع بين الضجيج والموقف، لم يعد السؤال المطروح حول صُنّاع المحتوى في الخليج مرتبطاً بحجم المتابعين أو سطوة «الترند»، بقدر ما بات متعلقاً بحدود المسؤولية ومعنى التأثير نفسه، فمع عودة النقاش حول دور المؤثرين إلى الواجهة، على وقع استضافة دبي «ملتقى المؤثرين» وما حمله من رسائل حول صناعة سردية خليجية واعية، يفرض مشهد ما بعد الأزمات أسئلة أكثر حساسية: أين وقف صانعو المحتوى حين احتاجت المجتمعات إلى خطاب يُطمئن، وموقف يُساند، ورواية تحمي الوعي العام من الفراغ والشائعات؟
في المقابل، كشفت التوترات الأخيرة عن تصدعات واضحة داخل المشهد الرقمي، بين أصوات تعاملت مع المنصات بوصفها امتداداً للمسؤولية الوطنية، وأخرى انكفأت إلى صمت ملتبس أو واصلت إنتاج محتوى منفصل عن نبض الشارع، في لحظة كان الجمهور فيها يراقب ويحاسب ويعيد تعريف من يستحق صفة «المؤثر»، وبين من رأى في الأزمة اختبار وفاء، ومن اعتبرها «مصفاة» أسقطت أقنعة كثيرة، يبرز اليوم سؤال أعمق: هل تغيّر مفهوم التأثير من صناعة الترفيه إلى صناعة الوعي؟ وهل بات الفضاء الرقمي، في زمن المِحَن، بحاجة إلى ميثاق أخلاقي يضبط البوصلة بين حرية التعبير وواجب الانحياز للوطن؟
«الإمارات اليوم» وضعت صُنّاع المحتوى أمام مرآة مواجهة صريحة، خلال ملتقى مؤثري الخليج في دبي، لاستكشاف حدود الدور، ومساءلة مفهوم الحياد، وقراءة ما إذا كانت الأزمات قد دشّنت بالفعل مرحلة جديدة يصبح فيها التأثير موقفاً قبل أن يكون حضوراً.
هل هم مجرد صانعي ترفيه أم صانعي وعي، وهل باتوا في أفق الأزمة، مطالبين بحد أدنى من المسؤولية العامة، وهل حان الوقت من جهة أخرى، لإرساء «ميثاق شرف» يضبط بوصلة المحتوى وقت المحن والأزمات؟
سردية موحدة
وفي سياق تقييم المشهد الرقمي وتطور أدوار صُنّاع المحتوى، أكّد مدير التواصل الاستراتيجي للمجموعة العالمية للاستثمارات الإعلامية، جمال الحربي، أن الإقبال العالمي الكبير على «ملتقى المؤثرين في دبي»، يثبت خروج دولة الإمارات أقوى بعد كل أزمة، مشيراً إلى نجاح رهان الدولة المتواصل على الارتقاء بصناعة المحتوى الهادف، وقال: «أظهرت الأزمة الأخيرة التي شهدتها المنطقة نجاح رهان الإمارات، حيث برزت نماذج تأثير راقية منذ اليوم الأول للأزمة، كان لها دور محوري في بث الطمأنينة والمصداقية، كما أن الصناعة اليوم لم تعد تعتمد حصراً على الأفكار الترفيهية البسيطة، بل برز محتوى جاد ورصين يُمثّل سنداً وصمام أمان للدول في تعاملها مع أزماتها».
وشدد الحربي على الأهمية الاستراتيجية لبناء خطاب وطني متماسك ومؤثر، مضيفاً: «يُعدّ هذا الملتقى، خطوة ممتازة للخروج بسردية خليجية موحدة، ننقل من خلالها قصتنا للعالم، ونعكس ثقلنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإذا لم نروِ قصتنا بأنفسنا، سنترك المجال لغيرنا لفرض سرديات مجتزأة أو سلبية»، واختتم الحربي حديثه بتأكيد وعي المتلقي وحتمية الفرز الرقمي، قائلاً: «وسائل التواصل الاجتماعي تقوم اليوم بغربلة وتصفية نفسها، فمن يملك محتوى جيداً ومسؤولاً سيستمر، أما صاحب المحتوى الخاوي فلن يصمد طويلاً، هذا أمر محتوم».
مصفاة الأزمات
وفي قراءة نقدية حادة لتعاطي مشاهير المنصات مع التوترات الإقليمية الأخيرة، وصف الإعلامي اللبناني، نيشان، الأزمة الأخيرة بأنها كانت بمنزلة «المصفاة» التي أسقطت الكثيرين ممن يدعون التأثير، مؤكداً أن التمتع بامتيازات الإقامة في دولة الإمارات وقت السلم، يحتم على المقيم الوقوف معها في الشدة، وأضاف نيشان: «في السلم أنت تنعم بالامتيازات، ومن الواجب عليك في الأزمات، أن تقف مع الدولة التي لم تطلب منك سوى موقف، في الوقت الذي يجب أن يعلم الجميع أن تغطية الأزمات علم بحد ذاته، فلا يكفي في هذه الصناعة، حمل كاميرتك لتصوير الإعلانات، بل تحتاج دائماً إلى الخبرة والمتابعة الدقيقة للواقع السياسي ساعة بساعة».
وأيّد نيشان مطالبات الجمهور بسحب الامتيازات من المتخاذلين في الأزمة بالقول: «لا يوجد شيء اسمه رمادي، فإما الأبيض أو الأسود في هذه المواقف، وأنا كلبناني تم منحه الإقامة الذهبية الإماراتية، كان موقفي واضحاً في هذا الصدد، وعبّرت عنه»، وأضاف: «الأرض التي تمنحني أعطيها، أما ملايين (اللايكات) فلا قيمة لها أمام وعي الرأي العام الذي يدرك جيداً متى يكون الصمت حكمة، ومتى يكون خذلاناً» وتطرّق إلى خطورة الفوضى الرقمية واللهاث خلف المشاهدات، قائلاً: «أصبح الناس مصابين بفيروس (الترند)، وتصوير مواقع الأزمات بشكل اعتباطي قد يخدم العدو أكثر مما يخدم الوطن».
تحكيم الضمير
ومن زاوية استراتيجية تُقيِّم المشهد وتوحد الجهود، أشار صانع المحتوى الكويتي، عيسى الحبيب، الحائز جائزة أفضل محتوى رقمي هادف، إلى أن الأزمة الأخيرة دفعت الجميع إلى إعادة حساباتهم، مبرزاً الجانب الإيجابي في هذا الشأن وهو تعزيز التلاحم والثقة المطلقة بالقيادة، قائلاً: «الأزمة جعلتنا نفكر بشكل أكبر لتوحيد صوتنا الخليجي والعربي، فعلى الرغم من أننا لا نستطيع إجبار مؤثر متخصص في كرة القدم مثلاً على الحديث في السياسة، فإن من يمتلك صوتاً وجمهوراً، تقع عليه مسؤولية أكبر لإيصال رسالة مهمة ومطمئنة في مثل هذه الفترات الصعبة»، متوقفاً عند واقع تجربته الشخصية في افتتاح مكتب لأعماله في الإمارات خلال الأزمة وتسجيله مقطع فيديو يشرح فيه أسباب هذه الخطوة كجزء من مسؤوليته الشخصية والوطنية، موجهاً نصيحته للمؤثرين والجهات الحكومية والخاصة بضرورة التأقلم مع الأحداث، وتحكيم الضمير، والتعلم من أخطاء الماضي وتجارب الآخرين لبناء مشهد رقمي هادف ومسؤول.
خط أحمر
وأكّد صانع المحتوى الكويتي المتخصص في مجال السفر، يوسف صديقي، أن على جميع المؤثرين العرب مسؤولية رد الجميل، قائلاً: «لا يجوز أبداً أن يقف المؤثر في المنطقة الرمادية ويدعي الحياد عندما يتعلق الأمر بأمن الأوطان الذي هو خط أحمر، خصوصاً في ظل عدوان إيراني غاشم واضح وصريح على دول الخليج العربي»، وأضاف أن مساحة الحرية في «السوشيال ميديا» تتجاوز وصول القنوات الرسمية، ما يوجب على المتحركين في أفقها تسجيل موقف واضح ومؤثر، موضحاً: «من يعتقد أنه سيخسر متابعيه أو يُصنّف في خانة معينة، أقول له أنت لم تخسر شيئاً، وصمت البعض كان إيجابياً لأنه جعل مستخدمي المنصات يعيدون حساباتهم، ويكتشفون من يجامل على حساب وطنه».
القضايا الوطنية
وفي الإطار ذاته، استنكر صانع المحتوى الكويتي المتخصص في مجال التسويق والأعمال، سليمان الغريب، تغليب المصلحة الشخصية والعائدات المادية على القضايا الوطنية، موضحاً أن المؤثر جزء من المنظومة المجتمعية، ولا يمكنه إغلاق فمه في الأزمات، قائلاً: «إذا كنت تخاف من الدفاع عن بلدك وتخشى على إعلاناتك ومتابعيك وتستسهل في المقابل خسارة وطنك، فهذه مصيبة كبرى، فعلى أي أرض ستقف لتتكلم عن إعلانك بعد ذلك؟».
مواجهة الفراغ
وفي قراءة أعمق للمسؤولية النفسية والمعلوماتية، سلّط صانع المحتوى الأردني، طارق سكيك، الضوء على خطورة الفراغ المعلوماتي، مستشهداً بحوار مباشر أجراه، أخيراً، وشارك فيه أكثر من 10 آلاف شخص من مختلف الدول العربية، محذراً من خطورة مرحلة عدم اليقين على حد تعبيره، قائلاً: «تؤكد الأبحاث أن غياب الخبر أصعب على العقل البشري من الخبر السيئ، ولاشك أن المنطقة تمر بتغيّرات طويلة الأمد، وغياب المصادر الموثوقة يترك فراغاً تملؤه (السوشيال ميديا) بكمية مخيفة من الشائعات»، موجهاً رسالة إلى صُنّاع المحتوى العرب قائلاً: «لاشك أن دوركم يظهر الآن، لذا اسعوا إلى نقل الخبر بصورة صحيحة لتثبيت أقدام الناس على الحقائق، لأن حساب الجمهور عسير، وإرضاء الناس غاية لا تدرك، أما إرضاء الله، فهي غاية لا تترك».
ميثاق الشرف
ودعا صانع المحتوى التونسي، سامي الشافعي، إلى إرساء ميثاق أخلاقي خاص بالمعلومات، موضحاً أن التأثير «سلاح ذو حدين»، قائلاً: «من خلال قواعد (إنستغرام) اليوم قد يصل مقطعك الرقمي إلى آلاف وملايين المشاهدين، من دون أن تمتلك الكثير من المتابعين، وهذا الانتشار السريع مخيف ويحمل مسؤولية كبرى، ما يحتم عليك التأكّد من مصادرك لتجنب تضليل الناس الذين يقرأون معلومات لا يعرفون حقيقتها وقت الأزمات»، مختتماً: «أتفهم مسألة محاسبة الجمهور، لكن يجب أن نتفهم كبشر أن البعض لا يحب الحديث في السياسة أو أن خبرته لا علاقة لها بما يحدث، لذا أنا لا ألوم من صمت لأن كل شخص له حساباته واعتباراته».
التزام مهني
ومن زاوية إنسانية تحتسب متطلبات المرحلة وتراعي دماء الضحايا، أوضح صانع المحتوى السوري، عمر مسكون، الذي يفضل وصف «صانع محتوى» على «مؤثر»، أنه عاش الحرب في سورية بكل أطيافها، وتعلم متى يجب أن يبتعد عن الكوميديا ومتى يصنعها، قائلاً: «الأزمات تفرض احترامها، وخلال الأزمة الأخيرة توقف محتواي كلياً لشهر ونصف الشهر تقريباً، احتراماً لأولويات المرحلة، وكنت أبحث عن المصادر الرسمية لطرح منشورات متعلقة بإجراءات السلامة فحسب، بشرط ألّا أروع الناس أو أمسّ بسيادة الدولة»، مثنياً على قدرة الإمارات العالية على استيعاب الأزمة، وحصر الروايات المضللة بشفافية قصرت الطريق على بعض المؤثرين.
تجاوز التخصص
اعتبرت طبيبة الأسنان وصانعة المحتوى، داليا كوكش، تحميل مشاهير «اللايف ستايل» مسؤولية تتجاوز تخصصهم، قد يُعدّ ظلماً لهم، مؤكدة «من منطلق دوري في مجال التوعية، توقفت وركزت خلال هذه الفترة على دوري طبيبةً في خط الدفاع الأول لخدمة المجتمع، ولم أهتم بتحقيق الربح أو الشهرة، بل بادرت إلى تحويل محتواي إلى الدعم النفسي للناس الذين يحتاجون إليه»، وانتقدت كوكش من اعتبروا الأزمة فرصة للعمل العشوائي، مشيرة إلى أنها اتخذت موقفاً صارماً وفقدت نحو 75% من عقودها الإعلانية حرصاً على مصداقيتها تجاه متابعيها.
الإعلانات
أوضح صانع المحتوى الأردني، بشر الزومط، أن محتواه الكوميدي لم يتغيّر، قائلاً: «أعتبر نفسي إنساناً عفوياً، ولم أضطر إلى تغيير محتواي في الألعاب والكوميديا خلال هذه الأزمة، لكن من الأدب والذوق أن أتوقف عن نشر الإعلانات في هذا التوقيت الذي يُعدّ غير مناسب».