صحراء الإمارات بعد المطر.. تنبض بالحياة والهدايا والكنوز الخفية
مع كل موسم مطر يهطل على إمارات الخير، تتحول الصحارى والسهول المفتوحة إلى لوحات طبيعية نابضة بالحياة، تتزين بالأعشاب والنباتات الموسمية التي تجتذب عشاق البر والباحثين عن كنوزه. ومن بين أبرز هذه الكنوز يبرز «العرايين» (الفقع) و«الحميض» و«الطرثوث»، التي تعد من أشهى وأهم هدايا الطبيعة التي ينتظرها أبناء هذه الأرض الطيبة بشغف كل عام.
ويظهر «الفقع» عادة بعد مواسم الأمطار المصحوبة بالبرق والرعد، في فترة الشتاء وبداية الربيع، حيث يُطلق عليه البعض اسم «بنت البرق» لارتباط ظهوره بهذه الظواهر الطبيعية. وهو فطر موسمي ينمو تحت سطح الأرض، ويتميز بلونه الأبيض الناصع وحجمه المتفاوت، ولا يظهر منه سوى جزء بسيط، ما يجعل عملية العثور عليه تتطلب دقة ومهارة وخبرة طويلة في قراءة تضاريس الأرض.
أما «الحميض»، فنبات عشبي موسمي، يتميز بأوراقه العريضة وطعمه الحامض المحبب، ويكثر ظهوره بعد الأمطار في المناطق البرية المفتوحة، ليشكل وجهة مفضلة للعائلات التي تخرج في رحلات جماعية للبحث عنه والاستمتاع بالأجواء الطبيعية.
طابع تراثي
ولا تقتصر أهمية «العرايين» و«الحميض» على قيمتهما الغذائية فحسب، بل تمتد إلى كونهما جزءاً من الموروث الشعبي الإماراتي، إذ تحوّلت رحلات البحث عنهما إلى نشاط عائلي وتراثي متوارث، يجمع بين متعة الاستكشاف والتواصل مع الطبيعة. ويحرص كثيرون من المواطنين والمقيمين على التوجه إلى البر بعد هطول الأمطار، حيث تتحول الأراضي الطينية والملحية إلى بيئة خصبة لظهور هذه النباتات، وتصبح بمثابة قبلة لعشاق البيئة في أبهى صورها.
سر الظهور
ويروي المواطن «أبومحمد»، وهو من المهتمين برحلات البحث عن «الفقع»، أن الاهتمام يتركز بشكل خاص على هذا الفطر النادر، نظراً لقيمته الغذائية العالية ومذاقه اللذيذ، إضافة إلى مكانته الخاصة في الثقافة المحلية، إذ يُعد هدية ثمينة يتم تبادلها، تعبيراً عن التقدير والمحبة.
ويقول إن ظهور «الفقع» يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالبرق والرعد، إذ يعتقد الكبار أن البرق يسهم في تكوينه من خلال تفاعلات طبيعية في التربة، لذلك يطلق عليه «بنت البرق»، موضحاً أن فترة نموه تختلف بحسب الظروف المناخية، إذ قد تستغرق من أسبوع إلى 20 يوماً في فصل الربيع، بينما تكون أقصر في فترات أخرى. ومن أبرز التحديات التي تواجه الباحثين عن «الفقع» أنه ينمو تحت سطح الأرض، ولا يظهر منه سوى جزء بسيط، ما يجعل العثور عليه يحتاج إلى خبرة وملاحظة دقيقة، حيث يميز الباحثون أماكنه من خلال تشققات خفيفة في التربة أو تغير في شكلها.
ويؤكد «أبومحمد» أن أماكن «الفقع» غالباً ما تبقى سراً بين العارفين بها، حفاظاً على خصوصيتها، وتجنباً للمنافسة الشديدة التي قد تؤدي إلى استنزافها بسرعة.
أطباق فاخرة
كما يُعد «الفقع» من الأطعمة الفاخرة التي تحظى بإقبال واسع، إذ يدخل في إعداد العديد من الأطباق الشعبية مثل المجبوس والكبسة، كما يمكن تناوله مشوياً أو مطبوخاً مع المرق والأرز. أما «الحميض» فيُؤكل طازجاً أو يُستخدم في بعض الأطباق الشعبية، لما يتمتع به من نكهة حامضة مميزة.
ومع كل موسم مطر، تتجدد الحياة في براري الإمارات، لتؤكد الطبيعة قدرتها على العطاء، وتعيد إحياء عادات قديمة ارتبطت بحياة الأجداد، حين كان البر مصدراً رئيساً للغذاء. واليوم، لاتزال هذه الرحلات تحمل في طياتها معاني الحنين للماضي، وتعزز ارتباط الأجيال الجديدة ببيئتهم، في مشهد يجمع بين التراث والمتعة والاستدامة.
نبات نادر
ومن النباتات المهمة التي تظهر في موسم الأمطار أيضاً «الطرثوث» الذي بدأ ظهوره حالياً في عدد من المناطق البرية في أم القيوين والعين والشارقة ورأس الخيمة، ليجذب عشاق الرحلات البرية وهواة البحث عن كنوز الطبيعة.
ويُعد «الطرثوث» من النباتات البرية النادرة نسبياً، إذ ينمو من باطن الأرض بعد هطول الأمطار، ويظهر على شكل أعمدة طويلة بلا أوراق، تتدرج ألوانها بين الأحمر والبنفسجي، وقد يصل ارتفاعه في بعض الأحيان إلى نحو 80 سنتيمتراً، ما يجعله لافتاً للنظر وسط الرمال. وغالباً ما يطل في مجموعات صغيرة، حيث يمكن العثور على ثلاثة نباتات أو أكثر في الموقع ذاته، ويتغذى على جذور أشجار الرمث والأرطى وغيرها من النباتات الأخرى.
ويتميز «الطرثوث» بتركيبته الفريدة، إذ يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسة، لكل منها خصائص مختلفة؛ فالجزء السفلي يكون بلون بني داكن وطعم مر، وغالباً لا يُستخدم في الأكل، بينما الجزء الأوسط هو الأفضل من حيث الطعم، ويمكن تناوله بطرق عدة، سواء كان نيئاً أو مسلوقاً أو مشوياً على الفحم، أما الجزء العلوي فلا يُقبل على تناوله في العادة.
وعلى الرغم من أن «الطرثوث» غير مشهور لدى شريحة واسعة، فإنه يحظى بمكانة خاصة لدى البدو وسكان المناطق البرية، الذين اعتادوا جمعه والاستفادة منه منذ سنوات طويلة، لما يحمله من قيمة غذائية وطبيعية.
ويقول المواطن «أبوسيف»، وهو من هواة ارتياد البر، إن «الطرثوث» يتوافر بكثرة خلال هذه الفترة بعد هطول الأمطار، حيث يحرص على الخروج إلى الصحراء للتنزه والبحث عنه، مشيراً إلى أن طوله يراوح عادة بين 40 و80 سنتيمتراً، وأن طعمه قد يكون حلواً أو مراً بحسب موقع نموه وكمية الأمطار التي شهدتها المنطقة.
ويضيف: «هناك معتقد عند كبار المواطنين وهو في حال التحدث بجانب (الطرثوث) يكون مراً في طعمه، وفي حال لم يتم التحدث بجانبه يكون حلو المذاق، وطريقة أكله يتم وضع الملح عليه بعد إزالة الجزء العلوي منه وشيّه على النار التي توقد من حطب أشجار السمر».
غذاء ودواء
أوضح «أبوسلطان» أن «الطرثوث» ينمو بشكل متفرق في معظم الأحيان، وقد يظهر أحياناً بشكل جماعي، مشيراً إلى أن متعة البحث عنه واستخراجه من الرمال تضيف طابعاً خاصاً لرحلات البر. ويلفت إلى أن اختلاف طعمه بين الحلو والمر يعتمد على طبيعة التربة والظروف البيئية، مؤكداً أنه يُعد من النباتات التي تجمع بين كونه غذاءً ودواءً في الوقت ذاته، لما يُنسب إليه من فوائد صحية متعددة، كما أنه شديد الاحمرار، لذا كان يستخدمه الأطفال في عملية التلوين كنوع من اللعب قديماً.
«أبومحمد»:
. اهتمامي يتركز بشكل خاص على الفطر النادر «الفقع».. إذ يعد هدية ثمينة يتم تبادلها تعبيراً عن التقدير والمحبة.
«أبوسيف»:
. هناك معتقد بأنه في حال التحدث بجانب «الطرثوث» يكون مراً في طعمه، أما إذا كان العكس فيكون حلو المذاق.