فارس الحلو يلامس الوجع في «مولانا».. ببدلة «الديكتاتور الصغير»
على امتداد أيام الشهر الفضيل، يترسّخ حضور نجوم الدراما في العالم العربي، ليس عبر أداء الأدوار فحسب، بل عبر قدرتهم على أسر وجدان المشاهدين، وجذبهم إلى حرارة الماراثون الرمضاني المتجدد الذي تشتد فيه المنافسة، وتعلو قيمة الحكاية، ليتحول كل ظهور إلى اختبار حقيقي لقوة الحضور وصدق الأداء وثبات الموهبة، فيما لا يقاس الموسم الرمضاني بعدد الأعمال المعروضة، بل بقدر ما يثيره من شغف وترقب ومتابعة يومية تتصاعد حدتها مع كل حلقة.
في هذه المساحة، تطل «الإمارات اليوم» برصد لأبرز الأعمال الرمضانية، لتتوقف عند أهم ما تقدمه الدراما المحلية والخليجية والعربية من تجارب لافتة، مسلّطة الضوء على الأدوار التي استأثرت بانتباه الجمهور، بعمق أدائها وخصوصية حضورها، وقدرة ممثليها على تجسيد كل شخصية بصدق واقتدار.
شهدت خريطة الأعمال الدرامية السورية المنافسة على صدارة دراما رمضان 2026 إطلالة نوعية للنجم السوري فارس الحلو في مسلسل «مولانا»، بعد غياب قسري في منفاه بفرنسا، لمدة قاربت 15 عاماً، فيما لم تكن هذه العودة مجرد استعادة مكانة فنية لنجم غائب، بل جاءت محمّلة بالرسائل الفنية والإنسانية العميقة واللافتة، بعد أن اختار صناع العمل (كاتبته لبنى حداد ومخرجه سامر البرقاوي) جعل الحلو حجر الزاوية في بناء درامي مشبع بالإسقاطات التي كابدت «بحدود وهفوات كثيرة»، في تشريح واقع سوري مأساوي بمشرط جراح بارد.
العقيد كفاح
يطل فارس الحلو عبر شخصية «العقيد كفاح»، متمرداً بقوة هذه المرة على تاريخه الفني الطويل في تقمص عدد من الأدوار الكوميدية والشخصيات الاجتماعية الفريدة، ليرتدي في رمضان «بدلة» السلطة المطلقة، عبر شخصية الضابط والخصم الدرامي الشرس للبطل «مولانا»، الذي يجسده في العمل النجم تيم حسن، وذلك عبر مساعيه المحمومة للسيطرة على أراضي عائلة «العادل» الحدودية، وتورط رجاله في سلسلة من التصفيات الجسدية المنفذة خارج نطاق القانون، وصولاً إلى إجبار طبيبة «ضيعة العادلية» على إجهاض الفتاة التي تورط معها في علاقة عابرة. في الوقت الذي تكمن فيه المفارقة الأهم، في إطلالة فارس الحلو، الفنان المنفي لسنوات بسبب آرائه، في عباءة الجلاد هذه المرة، ما أضفى على أدائه قسوة باردة وصدقاً تعبيرياً في تجسيد عقلية «الديكتاتور الصغير»، وراعي «مملكة القمع الضيقة» التي يديرها بصلف ونرجسية ويعتبرها «فوق المساءلة وخارج الأخلاق».
بين الواقع والخيال
محطات كثيرة مضيئة في حضور الحلو في هذا الدور هذا العام، لعل أهمها، تلك اللحظة النادرة التي ذابت فيها الفوارق بين «الواقع» و«الخيال الدرامي»، في مشهد يفيض بالانفعالات والعواطف الصادقة، وهو مشهد الذروة الذي تواجه فيه فارس الحلو أمام الكاميرا، مع زوجته الفنانة السورية سلافة عويشق (أم منير)، الذي لم يكن مجرد التزام بسيناريو جاهز، بل تنفيساً درامياً لقهر مكبوت، وانعتاقاً مزدوجاً من قبضة غصة التقطتها كاميرا المخرج، لتجسد لحظة إنسانية لزوجين تقاسما مرارة المنفى ووجع الغربة معاً، ليترجماها بكامل دموعها وعذاباتها، بصدق آسر على الشاشة.
جرأة ومصداقية
لم يكن مسلسل «مولانا»، رغم الهفوات التي طالت الفكرة وأعباء طرحها على 30 حلقة، أو حتى طرق مناقشتها بهذه الأساليب والحلول الدرامية «الساذجة»، ليحقق هذا الثقل النوعي والاهتمام الجماهيري، لولا الجرأة في طرح كم هائل من الإسقاطات المباشرة التي لامست للمرة الأولى في الدراما السورية، «المحرمات»، دعمتها مشاركة قامة بحجم فارس الحلو قادرة على حمل هذا العبء النفسي والفني المركب، الذي ترجمه النجم السوري طاقة أدائية متفجرة، متجاوزاً فخ «التنميط» المعتاد للضابط الفاسد، وطارحاً بصدق ورسوخ، وثيقة إدانة تاريخية للأنظمة الاستبدادية، اختلطت فيها المأساة الشخصية بمأساة الوطن، للإفراج عن تجربة إبداعية ناجحة، تترك متابعها مبهوراً وموجوعاً في آن واحد.
صدمة إيجابية
تبارى الجمهور السوري والعربي مقابل التجربة الإبداعية المتميزة التي طرحتها عودة فارس الحلو بدور لافت هذا العام، في مسلسل «مولانا»، بكتابة مختلف المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، عبروا فيها عن صدمتهم الإيجابية بهذه التجربة، وحنينهم إلى إطلالة النجم السوري المعتادة في الدراما، فيما ضجت المنصات بحالة من الاحتفاء بعودة هذه القامة الفنية الكبيرة للساحة، فأجمعت التعليقات النقدية والجماهيرية على أن فارس الحلو نجح بامتياز في تطويع ألم الغربة في الفن، لتقديم أداء وصفوه بـ«الاستثنائي» الذي لم تزده سنوات الابتعاد القسري إلا نضجاً ورسوخاً.
. النجم برز في مشاهد ذابت فيها الفوارق بين «الواقع» و«الخيال الدرامي»، في لحظات تفيض بالانفعالات والعواطف الصادقة.