الهريس.. طبق بنكهة «الفريج» القديم

وصفات الطعام ليست مجرد أطباق تُقدَّم على المائدة، بل هي جزء أصيل من ثقافة المجتمعات وتراث الشعوب الذي تتناقله الأجيال عبر الزمن. فكثير من الأطباق ارتبط بحكايات وقصص شكّلت سبباً في ظهوره وانتشاره، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية والإنسانية في بلدانه وفي العالم. وفي هذه الزاوية نُسلط الضوء على مجموعة من الأطباق من مختلف أنحاء العالم، ونستعرض القصص التي تقف خلفها.

بعض الأكلات لا يمكن أن ينظر إليها باعتبارها وجبة أو طبقاً يتم تناوله لسد الجوع فقط، حيث تتحول مع الوقت إلى جزء من ثقافة ووجدان المجتمع، وموروث يُحتفى به دائماً، وهو ما ينطبق على أكلة الهريس التي تعد سيدة المائدة الإماراتية والخليجية، ومن أبرز مكونات المطبخ التقليدي التي لا يكتمل من دونها تجمع عائلي أو مناسبة اجتماعية، كالأعراس، والأعياد، كما لا تكتمل من دونها مائدة شهر رمضان المبارك، حتى أصبحت رمزاً للكرم والجود والألفة بين الأهل والجيران. ونظراً لهذه المكانة الكبيرة للهريس وارتباطه بوجدان أهل الخليج وحياتهم الاجتماعية عبر تاريخ طويل، لم يقتصر الاحتفاء به محلياً أو إقليمياً، بل تحول إلى احتفاء عالمي بعد إدراجه على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في ديسمبر 2023، بفضل ملف مشترك قادته دولة الإمارات، بالتعاون مع المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، تأكيداً على قيمته كرمز للهوية والترابط الاجتماعي.

وتعتمد صناعة هذا الطبق بشكل أساسي على حبوب القمح التي تُنقع من الليل لتكتسب الليونة المطلوبة، قبل أن توضع في قدور ضخمة، يلتف حولها أفراد العائلة والجيران في مشهد يجسّد روح «الفريج» القديم، وعقب الانتهاء من إعداده كان يوزع على بيوت الجيران، وهو ما جعله يرتبط بالكرم والتآلف بين أفراد المجتمع. ولإعداد الهريس يُضاف اللحم إلى الماء المغلي مع القمح، ويُترك الخليط لينضج على نار هادئة لنحو أربع ساعات مع التحريك المستمر. وبعد نضج المكونات تماماً، تُرفع العظام، ويُدق الخليط بقوة باستخدام قطعة خشبية تقليدية تُعرف بـ«المضراب»، حتى يمتزج اللحم بالقمح، ويتحول إلى قوام متجانس ناعم، لُيسكب أخيراً في الأطباق ويُتوج بمسحة من السمن المحلي الأصيل، بينما يفضل البعض الطريقة التقليدية الأخرى التي تعتمد على «التنور»، حيث يُدفن القدر في حفرة من الجمر المشتعل، ويُترك حتى الصباح لينضج ببطء تحت الأرض، ما يمنحه نكهة غنية ومدخنة لا تُنسى.

ورغم أن التكنولوجيا الحديثة قدمت الخلاطات والمضارب الكهربائية التي اختصرت الوقت والجهد، إلا أن الحنين يظل دائماً للنسخة المضروبة يدوياً، كونها تحمل نكهة الصبر وروح الماضي، وتُذكر الأجيال الجديدة بجهود الأجداد في تحويل مكونات بسيطة من الأرض إلى طبق عالمي يروي قصة ثقافة وتراث.

. أكلة الهريس تُعدّ سيدة المائدة الإماراتية والخليجية، ومن أبرز مكونات المطبخ التقليدي التي لا يكتمل من دونها تجمع عائلي أو مناسبة اجتماعية.

. الهريس المضروب يدوياً يذكّر الأجيال الجديدة بجهود الأجداد في تحويل مكونات بسيطة من الأرض إلى طبق عالمي يروي قصة ثقافة وتراث.

الأكثر مشاركة