«أم علي»حلوى من عمق التاريخ
وصفات الطعام ليست مجرد أطباق تُقدَّم على المائدة، بل هي جزء أصيل من ثقافة المجتمعات وتراث الشعوب الذي تتناقله الأجيال عبر الزمن. فكثير من الأطباق ارتبط بحكايات وقصص شكّلت سبباً في ظهورها وانتشارها، حتى أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية والإنسانية في بلدانها وفي العالم. وفي هذه الزاوية نسلّط الضوء على مجموعة من الأطباق من مختلف أنحاء العالم، ونستعرض القصص التي تقف خلفها.
تُعد «أم علي» واحدة من أشهر الحلويات التقليدية في العالم العربي، إذ تحظى بشعبية واسعة بين الكبار والصغار، وانتشرت لاحقاً إلى مطابخ خارج المنطقة. ولا يقتصر تميّزها على مذاقها الغني وقوامها الدافئ، بل يرتبط اسمها بحكاية تاريخية تعود إلى العصر المملوكي في مصر.
وتحمل «أم علي» خلف طبقاتها المغطاة بالحليب والمسكرات، قصة تاريخية ترتبط بالرواية المتداولة باسم شجرة الدر، التي تولّت الحكم بعد وفاة زوجها السلطان الصالح نجم الدين أيوب عام 1249، في فترة دقيقة تزامنت مع حملة عسكرية قادها ملك فرنسا لويس التاسع ضد مصر. غير أن حكمها لم يدم طويلًا، إذ اضطرت بعد نحو 80 يوماً إلى الزواج من الأمير عزالدين أيبك، والتنازل له عن العرش شكلياً لامتصاص غضب الرافضين لحكم امرأة، بينما استمرت في إدارة شؤون الدولة من وراء الستار. وتصاعد الصراع داخل القصر بعدما أبعدت أيبك عن زوجته الأولى وابنه علي، قبل أن تنقلب الأحداث حين قرر الزواج مجدداً. وتذكر الروايات أنها دبّرت قتله، لتتولى زوجته الأولى لاحقاً الانتقام منها، حيث انتهى الأمر بمقتل شجرة الدر في واقعة شهيرة. ويُقال إن والدة علي، احتفالًا بزوال غريمتها، أمرت بإعداد حلوى مكوّنة من الدقيق والسمن والسكر وتوزيعها على الناس، فحملت الحلوى اسم «أم علي» منذ ذلك الحين.
ومع مرور الزمن، تطورت الوصفة، وأصبحت أكثر تنوعاً وسهولة في التحضير. فبدلًا من المكونات البسيطة القديمة، تُحضّر اليوم باستخدام رقائق الجلاش أو الباف باستري، التي تُقطّع وتُخبز حتى تكتسب قواماً هشاً. ثم يُغلى الحليب مع القشطة والسكر والزبدة حتى يتجانس الخليط، ويُسكب فوق طبقات العجين المقرمش والمكسرات في صينية، قبل إدخالها الفرن مرة أخرى حتى تتماسك ويشتد قوامها قليلًا. وتُقدَّم ساخنة، غالباً مع طبقة إضافية من المكسرات على السطح.
ولم تعد «أم علي» مجرد حلوى تقليدية تُحضّر في المنازل فحسب، بل أصبحت طبقاً أساسياً في المطاعم والفنادق خلال شهر رمضان والمناسبات العائلية، حيث تُقدَّم بلمسات عصرية تضيف إليها الكريمة المخفوقة أو الآيس كريم أو نكهات مختلفة كالشوكولاتة وجوز الهند. وهكذا حافظت «أم علي» على مكانتها في الذاكرة الشعبية، جامعةً بين حكاية تاريخية مثيرة وتراث طهويّ لايزال يتجدّد عبر الأجيال.
. تحمل «أم علي» خلف طبقاتها المغطاة بالحليب والمكسرات، قصة تاريخية ترتبط برواية متداولة باسم شجرة الدر، التي تولّت الحكم بعد وفاة زوجها السلطان الصالح نجم الدين أيوب عام 1249، في فترة دقيقة تزامنت مع حملة عسكرية قادها ملك فرنسا لويس التاسع ضد مصر.