مائدة من «زمن الطيبين».. تتجلى فيها روح رمضان قبل قدومه

بين دفء اللقاءات العائلية وعبق المائدة العامرة، والسعادة باستقبال الشهر الفضيل، يحافظ أهالٍ في رأس الخيمة على واحدة من أجمل عاداتها الشعبية المرتبطة باستقبال رمضان، عبر وجبة «الكرش» التي تحولت من مجرد طعام يُتناول قبل الصيام، إلى مناسبة تحمل في طياتها معاني الترابط والبهجة والحنين إلى الماضي.

ورغم اختلاف أصول سكان رأس الخيمة بين الجبل والساحل والصحراء والمدينة، فإن «الكرش» ظل جامعاً مشتركاً بينهم، يُقام في نهاية شهر شعبان، ويعبّر عن حالة خاصة من الاستعداد النفسي والاجتماعي لشهر العبادة، حيث تلتقي العائلات والأصدقاء على مائدة واحدة لتوديع أيام الإفطار النهاري، وسط المحبة بين الجميع، والتواصل الجميل، لتتجلى في هذه اللمة روح رمضان قبل قدومه بأيام.

حفاظ على الهوية

من ناحيتها، قالت الإعلامية، حليمة الرئيسي، لـ«الإمارات اليوم»، إن مناسبة «الكرش» تمثل نموذجاً حياً لكيفية حفاظ المجتمع الإماراتي على هويته رغم الحداثة، مشيرة إلى أن هذه العادة تحمل قيمة ثقافية مهمة.

وأضافت: «نحن بحاجة إلى تسليط الضوء على هذه التقاليد في وسائل الإعلام، لأنها توثق ذاكرة المجتمع، وتُعرّف الأجيال الجديدة بعادات الأجداد، بأسلوب عصري يناسب روح العصر»، مشيرة إلى أن المناسبة تعكس جانباً إنسانياً واجتماعياً مهماً، يتمثل في مشاركة الفرح والاستعداد الروحي لشهر رمضان.

وأكدت حليمة أن هذا اليوم يُعد من الأيام التراثية المميزة في بعض مناطق رأس الخيمة، وفي عدد من مناطق الدولة وبعض دول الخليج، حيث يُطلق عليه في بعض المناطق اسم «يوم القرش»، لافتة إلى أن هذا اليوم، وما يتضمنه من فعاليات بسيطة، كان يحظى باهتمام كبير في الماضي، في وقت كان التمسك بالعادات والتقاليد أكثر حضوراً من اليوم، رغم تعدد المشاغل والاهتمامات في العصر الحالي.

وتابعت: «سيدة البيت كانت تحرص على إعداد وجبة دسمة لوداع شهر شعبان، وتختلف طبيعة الأكل بحسب إمكانات وظروف كل أسرة، فالكبيرة كانت تشهد مشاركة جماعية من النساء، حيث تقدم كل واحدة طبقاً من إعدادها، لتجتمع الأسرة حول مائدة عامرة بالألفة والتعاون»، منوهة بأن الوجبة كانت تتحول إلى لوحة غذائية بانورامية، تتنوع فيها الأطباق الشعبية التي اشتُهرت بها الإمارات منذ القدم، مثل الهريس، والمرقوقة، والثريد، والهرسية أو العرسية، إلى جانب الأرز واللحم، وغيرها من عشرات الأصناف التراثية.

وفي ظل تغير نمط الحياة، رأت حليمة الرئيسي أن هذا اليوم أصبح مجرد موروث مرتبط بالطعام، في وقت بات البعض يركز على التصوير والمظاهر والبذخ، معتبرة أن الأفضل أن يظل الاحتفال به في نطاق الأسرة فقط، حفاظاً على قيمته الاجتماعية، وحتى لا يفقد روحه الأصيلة، كما حدث مع بعض المناسبات الشعبية الأخرى.

ويسترجع الوالد عبدالله المهيري ذكرياته مع هذا اليوم قائلاً لـ«الإمارات اليوم»: «قديماً، لم نكن نعرف المطاعم ولا السفريات، وكل شيء كان يتم في البيت، والجيران يشارك بعضهم بعضاً، وكانت الوجبة بسيطة، لكن القلوب متحابة».

وشدد على أن هذه المناسبة كانت تعلّم الأبناء قيمة المشاركة والتعاون، حيث تسهم كل أسرة بصنف معين، لتجتمع المائدة في صورة جميلة من التكافل الاجتماعي.

من جهته، أكد الإعلامي المختص بالتراث الإماراتي، عبدالله خلفان البلوشي، أن «الكرش» تُعد من العادات الشعبية التي تستحق التوثيق والحفاظ عليها، باعتبارها جزءاً من الهوية المحلية، وهذه العادات مازالت حاضرة بقوة في منطقة شمل برأس الخيمة، بشكل خاص، وأوضح: «هذه العادة مرتبطة بمفهوم الاستعداد الرمضاني، وبثقافة المشاركة، وهي امتداد لقيم المجتمع الإماراتي القائمة على الكرم واللمة والتواصل»، وأشار إلى أهمية إدراج مثل هذه الموروثات ضمن البرامج الثقافية والمبادرات التراثية، لضمان استمرارها وانتقالها للأجيال المقبلة.

وداعاً للأكل النهاري

وقالت منى السويدي (ربة منزل) إن «الكرش» من الأيام الشعبية المتداولة بين الناس قبل حلول رمضان بأيام قليلة، وغالباً ما يكون في أواخر شعبان، وأوضحت أن التسمية جاءت من باب المزاح، باعتبار أن البعض «يودّع الأكل» قبل الصيام، فيجتمع الأهل والأصدقاء لتناول وجبة؛ استعداداً للشهر الفضيل.

وأضافت أنه لا يوجد تاريخ ثابت لهذا اليوم، لكنه غالباً يكون قبل رمضان بيوم أو اثنين، حسب موعد دخول الشهر، لافتة إلى أن الأكلات المنتشرة خلاله تشمل المجبوس، والبرياني، والمشاوي، واللقيمات، والحلويات، إلى جانب المشروبات الشعبية.

ووصفت هذا اليوم بالمناسبة الاجتماعية الخفيفة التي يتبادل فيها الناس الدعوات والضحكات، ويستقبلون شهر رمضان بروح مبهجة يسودها التفاؤل والتلاقي.

من ناحيتها، قالت ناعمة آل علي (ربة منزل)، إن «يوم الكرش في الماضي كان بسيطاً في مكوناته، لكنه غني بمعانيه، إذ كنا نجتمع على وجبة المالح والسمك المشوي مع الأرز الأبيض، وكانت هذه الوجبة مرتبطة بالاستعداد للصيام، لأن الأسماك المالحة لا تناسب أجواء رمضان، فكانت تُؤكل قبل دخوله»، وأشارت إلى أن هذه المناسبة كانت فرصة نادرة لالتقاء الأسرة كاملة، في زمن لم تكن فيه المناسبات الاجتماعية متكررة كما هي الحال اليوم.

وأكدت شما النقبي (ربة منزل) أن المناسبة تطورت كثيراً مع تغير نمط الحياة، فالهدف لم يعد مقتصراً على الطعام فقط، بل أصبح مناسبة للّمة وجمع الشمل، وقالت: «اليوم تُقام وجبة الكرش في البيوت والمطاعم وحتى في الاستراحات، وأحياناً تكون إفطاراً أو عشاءً، وتضم أصنافاً متنوعة من المطبخ الخليجي والعربي والعالمي، مع الحلويات والعصائر، والتنوع في المائدة يعكس انفتاح المجتمع وتطوره، مع الحفاظ على روح العادة وأصلها».

جمعية «شمل»

وفي إطار إحياء الموروث الشعبي، نظّمت جمعية شمل للفنون والتراث الشعبي والمسرح، الليلة قبل الماضية، فعالية تراثية لإحياء «يوم الكرش»، في أجواء اتسمت بالدفء العائلي، وسط حضور لافت من مختلف الفئات العمرية، وشهدت مشاركة واسعة من الأطفال والشباب وكبار السن، وحرصت أسر على المشاركة وسط أجواء أعادت صوراً من الزمن الجميل.

وتزيّنت القاعة بطاولات عامرة بالأطباق الشعبية، التي أحضرتها ربّات بيوت وجدات، في صورة تعكس روح المشاركة والتكافل، حيث شاركت كل أسرة بطبق من المأكولات الإماراتية المتعارف عليها، مثل الهريس، والثريد، واللقيمات، والمرقوقة، والمجبوس، والعيش الأبيض مع اللحم، إلى جانب الحلويات والعصائر.

وتحوّل المكان إلى مساحة مفتوحة للذكريات والحوارات، إذ تبادل الحضور الحديث عن الماضي، واستعادوا مشاهد رمضان في «زمن الطيبين»، وكيف كانت البيوت تمتلئ بالمحبة والبساطة، وتُبنى العلاقات على السؤال والتواصل.

مساحة للأصالة

أكد مشاركون في إحياء «يوم الكرش»، الذي نظمته جمعية شمل للفنون والتراث الشعبي والمسرح في رأس الخيمة، أن المناسبة لم تكن لمجرد تناول الطعام، بل مساحة لإحياء العادات الأصيلة، وتعزيز الروابط الأسرية، وربط الجيل الجديد بتراثه وهويته، في أجواء امتزج فيها الماضي بالحاضر.

الأكثر مشاركة