في ندوة «الثقافة وبناء الهوية» على هامش مؤتمر «الكُتّاب العرب»

مثقفون وكُتّاب: مفهوم التسامح يتجاوز العفو والصفح

صورة

قال مثقفون وأدباء إن مفهوم التسامح يتجاوز مسألة العفو والصفح، ليدل على تقبل الآخر المختلف، والتعايش معه، مؤكدين أهمية تطبيق هذا المفهوم على الأرض حتى لا يظل مجرد شعار. كما شدّدوا خلال الجلسة الأولى من ندوة «الثقافة وبناء الهوية بين الأنا والآخر»، التي تعقد جلساتها بالتزامن مع المؤتمر العام الـ27 للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب المنعقد في العاصمة أبوظبي في فندق روتانا السعديات، على مدى أربعة أيام، على ضرورة التعامل بوعي مع التحديات الكبيرة التي تواجه الهوية العربية في هذه الفترة الحرجة.

وأوضح الكاتب والمفكر الإماراتي الدكتور يوسف الحسن، في تقديمه للجلسة، أن هناك التباساً كبيراً بخصوص مصطلح التسامح حتى في أذهان النخب، ومنهم الشاعر أدونيس الذي اعتبر خلال مشاركته في مؤتمر عقد بدبي منذ ما يقرب من 15 عاماً، قبل أن يصبح هذا المصطلح من أدبياتنا السياسية والثقافية، أن مصطلح التسامح يتسم بالفوقية، حيث يبدو وكأن شخصاً يتحمل نتيجة خطأ ما ويطلب العفو من شخص آخر «ولكن ماذا عن الشخص الذي لم يخطئ بحقي؟».

مفهوم التسامح

وأوضح الحسن أن مصطلح التسامح يشير إلى فلسفة تنطوي على تحمل الإنسان لشيء يختلف معه، ويقبل به ويتعايش معه ويحترمه، وهذه الفلسفة نتاج حركة التنوير الغربية الأوروبية، ومن خلالها ظهر مفاهيم قبول الآخر وقبول التعدد والتنوع مع اختلاف اللون والثقافة والمذهب. لافتاً إلى أن الجماعات المتطرفة مثل «داعش» وغيره، جذبت أشخاصاً من مختلف الجنسيات، فالتطرف لا يرتبط بجنسيات أو مجتمعات معينة.

وأشار إلى أن التسامح ليس مجرد شعار يتم إطلاقه، ولكن يجب أن يتم تطبيقه على الأرض، ولذا جاء إعلان الإمارات هذا العام «عام التسامح» يهدف إلى تعزيز وترسيخ هذه القيمة في المجتمع، موضحاً أن الندوة تطرح الكثير من الأسئلة والمحاور حول مفاهيم الأنا والآخر وصورته في التربية العربية المعاصرة، وغير ذلك من محاور مهمة.

الهويتان العشوائية والواعية

رئيس اتحاد كتاب مصر الدكتور علاء عبدالهادي، فرّق في الورقة البحثية التي قدمها بعنوان «ما بعد الهوية - نقد الفكر الأحادي لثنائية الأنا والآخر»، بين نوعين من الهوية؛ الأولى الهوية العشوائية التي تتشكل من خلال التصاق الإنسان ببيئة بعينها، وربما من دون وعي منه. وفي هذا النوع، وهو السائد في العالم الثالث، تميل الهوية إلى الارتباط بنظام، وهو ما يفسر ما حدث خلال تظاهرات ما سمي بالربيع العربي، حينما كانت تبدأ تظاهرة تضم آلاف الأشخاص من تيار ديني محدد، أو أي تيار آخر، كان ينضم إليها أشخاص ليسوا من هذا التيار، «الهوية العشوائية تميل في تكوينها للارتباط بنظام، وحين وجد هذا النظام التصقت به هذه الهويات».

وأضاف: «أما الهوية الأخرى فهي التي تنمو معتمدة على مثلث التعليم المخطط والعقيدة والثقافة والإعلام. وحين نتكلم عن الهوية في ارتباطها السياسي؛ نقول إن هناك علاقة عكسية بين الثابت والانتماء، كلما زاد عدد الثوابت في هوية ما، قل معدل الانتماء، وهو ما يطرح سؤالاً حول ما هي الثوابت التي يجب الاهتمام بها في هوية ما لتستطيع أن تتحدى ظرفها الحضاري المعيش، وسؤالاً آخر حول التعامل مع الهوية هل يتم بصفتها معطى تاريخياً أو بصفتها متخيلاً يمكن أن يتشكّل ونستطيع به أن نٌشكل تحدياً لظرف حضاري معيش يفرضه مركز تقني قوي يفرض ثقافته الجزئية بوصفها حضارة للناس أجمعين، وهذا هو منبع الاختلاف بين مفهوم الثقافة التي تخلق دائماً مساحات للاختلاف والتغيير».

زايد رمز التسامح

من جانبه، ركز أستاذ الإعلام الإماراتي الدكتور حسن قايد الصبيحي، على الجانب التطبيقي والعملي لمفهومي الهوية والتسامح من خلال استعراض مواقف من سيرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وردت في تقارير بريطانية اطلع عليها في مركز الوثائق البريطانية بلندن خلال دراسته هناك، مضيفاً: «من بين هذه الوثائق وثيقتان كُتبتا قبيل الزيارة الرسمية للشيخ زايد لبريطانيا في 1979، تتحدث الأولى عن وطنيته، رحمه الله، مستشهدة بموقفه عندما كان حاكماً للمنطقة الشرقية حيث اهتم بالزراعة وعمل على تطويرها فقام بجمع الناس والعمل معهم على حفر الأفلاج، ولتوفير التمويل اللازم لهذه المشروعات، طلب زايد من المعتمد البريطاني 4000 جنيه، وأرسل المندوب السامي بدوره الطلب لبريطانيا وعندما تأخر الرد عليه، أعاد إرساله، فجاءه الرد يحمل تساؤلاً حول الوجهة التي يتم إنفاق المبلغ عليها، فأكد في رده أن الشيخ زايد سيستخدمها لتنفيذ مشروعات لمصلحة الناس، التي كانت المحرك الأول لكل قراراته، وليس لمصلحة شخصية». أمّا الوثيقة الثانية التي تناولها قايد، فتطرقت إلى انتماء الشيخ زايد، العروبي الوحدوي حتى قبل أن يتولى حكم أبوظبي، حيث كان يحلم بتأسيس دولة موحدة تجمع الإمارات كلها، كما تشير إلى أن طموحاته لم تكن تقتصر على الدولة فقط، ولكن كان يسعى لتحقيق وحدة الخليج العربي، مشيراً إلى أن الوثائق تسرد الكثير من المواقف والقضايا التي تؤكد أن الشيخ زايد كان صعب المراس لا يصدق على اتفاقية إلا إذا تأكد أنها تخدم شعبه، وكان يحاور ويفاوض ويضع شروطه ليصل إلى ما يريده، كما تدخل في العديد من الوساطات بين الدول العربية للإصلاح بينها. كذلك أشار قايد إلى أن الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عندما سمع عن الشيخ زايد، أرسل سعيد عمارة ليتعرف عليه وعلى فكره وأهدافه، وكتب عمارة التقرير وقدمه لعبدالناصر الذي حوله بدوره إلى مجلس الوزراء المصري، مؤكداً أن التقرير يتناول شخصية قائد عربي جديد سيكون له دور كبير.


تحديات

الأكاديمي الأردني الدكتور زهير توفيق حذر من مخاطر عدة تواجه الهوية العربية الجامعة، وهي تحديات العولمة وما تتضمنه من محاولات فرض هوية كونية تتجاوز الثقافات الوطنية، وتحديات الهويات الفرعية والولاءات الصغيرة التي تضرب الهوية الجامعة، بالإضافة إلى تحدي العلاقات الصراعية، والشعور بالتنميط، معتبراً أن هناك استراتيجيات عدة يمكن للهوية العربية أن تواجه الآخر بها، وهي استراتيجية حمائية بالدفاع عن الهوية بالعزلة والتمايز، واستراتيجية صراعية تستهدف التفوق والهيمنة، والأخيرة استراتيجية بنائية أساسها التفاعل مع الآخر والتقاطع مع ثقافته.

42 شاعراً في 4 أمسيات

عقب الجلسة الأولى من «الثقافة وبناء الهوية»، عقدت الأمسية الشعرية الأولى ضمن مهرجان ناصر جبران الشعري، الذي يُقام بالتزامن مع المؤتمر العام، بمشاركة 42 شاعراً.

طباعة