يصنعان «الدونتس الإماراتي الساخن».. ويحلمان بوصول مشروعهما إلى العالمية

محمد ونبيل الهاشمي.. موظفان صباحاً وبائعان «بدرجة ماجستير» على عربة في المساء

صورة

في مدخل متنزه «لاست أكزيت» بمنطقة الخوانيج في دبي، تقف عربة «دونات»، بداخلها محمد ونبيل الهاشمي، بثوبهما الإماراتي، وابتسامتهما التي لا تفارقهما، يستقبلان روّاد المتنزه، ويقدمان عرضاً حياً لصناعة «الدونتس الإماراتي الساخن»، ليتابع الزائر خطوات إعداد طلبه في أقل من دقيقتين.

محمد ونبيل الهاشمي، مواطنان من عائلة واحدة، قررا تحدي «ثقافة العيب»، وافتتحا مشروعاً لصناعة «الدونتس الساخنة» بلمسات إماراتية، ويتوليان إدارته والعمل فيه من الألف إلى الياء، بدءاً من مهمة إعداد المنتج بأيديهما، مروراً بتغليفه، وصولاً إلى تقديمه للزبائن بابتسامة جميلة.

يؤكد محمد ونبيل الهاشمي، لـ«الإمارات اليوم»، أنهما يتمنيان أن تكون تجربتهما مثالاً حياً يشجع أبناء جيلهما على اللحاق بهما، وأن يكونا من خلال مشروعهما، الذي يطمحان في وصوله إلى العالمية، قد نجحا في تغيير الفكرة السائدة عند البعض بأن الشعب الإماراتي مترف، ولا يصلح سوى للعمل وراء المكاتب، ساعيين من خلال مشروعهما إلى تصحيح هذه الفكرة وإثبات عكسها.

بداية الحكاية

المهندس محمد الهاشمي، الشريك الأول في المشروع، روى قصة «دوه ميني دونتس»، منذ البداية، وكيف تحوّل من حلم إلى حقيقة: «منذ صغري وأنا أؤمن بأن المستقبل سيكون للوظائف القائمة على الإبداع والأفكار المبتكرة، وأن المشروعات الخاصة ستكون مقصد أبناء بلدنا، وبمجرد أن انتهيت مندراستي بكلية الهندسة في جامعة مانشستر ببريطانيا، وحصلت على الماجستير في تخصص إدارة المشاريع، توظفت بإحدى الشركات، لكن بعد فترة راودني الحلم القديم بتنفيذ مشروع خاص، وما حفزني على هذه الخطوة أنني أمتلك كثيراً من الطاقة والوقت اللذين يمكن استثمارهما في عمل إضافي يدر عليّ دخلاً مالياً، ويؤهلني لدخول عالم الأعمال».

ويضيف المهندس محمد: «اجتمعت مع ابن عمي، الذي يقاسمني الحلم ذاته، نتدارس الأفكار التي اطلعنا عليها خلال دراستنا بالخارج وأسفارنا، ونحاول نقلها إلى بلادنا بعد صبغها بثقافتنا العربية والمحلية، وتعمقنا في دراسة السوق، وكانت فكرة صناعة (الدونات الإماراتية)، هي نقطة انطلاقنا، وبدأنا بوضع ميزانيتنا التي لم تتجاوز 5000 درهم، واطلعنا عبر الإنترنت على كل تفاصيل هذه الصناعة معتمدين على أنفسنا، دون اللجوء إلى عمالة مساعدة».

ويتابع الهاشمي: «أسسنا كشكاً صغيراً بحديقة البرشاء لصناعة وبيع حلوى (الدونات) بنكهاتها المتعارف عليها، ومنذ اللحظات الأولى التي بدأنا بها العمل أحاطتنا نظرات الدهشة والاستغراب من روّاد الحديقة، عندما يروننا نعمل بأنفسنا، نمسك العجين والأواني والماكينات الساخنة، وكثيراً ما يتم سؤالنا عن هويتنا، خصوصاً أننا تمسكنا بارتداء ثوبنا الإماراتي، لكن بمرور الوقت اعتادوا وجودنا، وتحوّلت تلك النظرات إلى تشجيع وتقدير، حتى إن كثيرات من الأمهات يضربن بنا المثل أمام الأبناء في الجد والكفاح وتقدير قيمة العمل».

نظرات تعجب

لكن بين النظرات الإيجابية، كانت هناك نظرات من نوع آخر تتعجب طبيعة عملنا، يضيف محمد الهاشمي: «فلن أنسى عندما قدم إلينا أحد روّاد الحديقة متعجباً متسائلاً، كوننا رضينا بالعمل بهذه المهنة (المتواضعة)، ونصحنا بطرق باب عمل أفضل، معتقداً أن مهنتنا كانت نتاج إخفاقنا في دراستنا، ولكن بمجرد أن أخبرناه أننا من حملة الماجستير، ونعمل صباحاً بوظائف حكومية، زادت دهشته، وحاولنا أن نشرح له أن العمل حتى إن كان متواضعاً هو شرف لصاحبه، وأن المستقبل لعالم الأعمال والأفكار المبتكرة، التي تحتاج إلى طاقة الشباب وقلبه المفعم بالنشاط والأمل».

ويكمل: «بعد أكثر من عام من العمل الشاق والتنقل بين الأكشاك في كل المناطق والحدائق بدبي، شاركنا في مطلع العام بمهرجان دبي للمأكولات، ومنه انتقلنا إلى متجرنا الخاص بمتنزه (لاست أكزيت) بمنطقة الخوانيج، ليكون أول خطواتنا في عالم المشروعات الخاصة».

أسرار الصناعة

الشريك الثاني في المشروع، نبيل الهاشمي، يحمل هو الآخر درجة الماجستير، لكن في المحاسبة وإدارة الأعمال، ويعمل في وظيفة حكومية بالصباح، وفي المساء يقف إلى جوار زميله لتحضير وتقديم «الدونات».

وعن تجربته يقول: «في البداية لم نكن محترفين في صناعة (الدونات)، لذلك قصدنا أحد الطهاة البلجيكيين، الذي جاء في زيارة لبلدنا خلال مهرجان المأكولات بدبي، وتعلمنا منه أسرار الصناعة كافة، وبعد أشهر قلائل، جوّدنا منتجاتنا وأدخلنا عليها العديد من النكهات الجديدة، التي لا تعرفها صناعة (الدونات) الغربية، والتي كان أبرزها (زعتر دونتس)، و(اللقيمات دونتس)». ويتابع المحاسب نبيل: «بعد أن عملنا شهراً تلو الآخر، ازدادت وتضاعفت خبراتنا، وتميزنا بـ(الدونات الساخن) ذي المذاقات المالحة، الذي يعتمد على الطهي الحي ليتمتع زبوننا برؤية كل خطوات التجهيز في دقيقتين، لاعتمادنا على العجين الخفيف الخالي من الخميرة الذي لا يحتاج إلى وقت طويل لإعداده، إضافة إلى ابتكار أنواع أخرى موسمية كنكهة (اللقيمات الإماراتية)، التي لاقت إقبالاً كبيراً في شهر رمضان الماضي». ويستطرد: «لم نتوقع هذا الإقبال على منتجاتنا، ويزداد حماسنا كلما امتلأ المكان حولنا بالسيارات، ويشتعل أكثرعندما نجد الأسر الإماراتية وغيرها تقصدنا لإعجاب أفرادها الكبير بـ(الدونات الإماراتي الساخن)، وأصبح كثيرون يترددون علينا بشكل متواصل».


وصفة النجاح.. الطموح

أكد الشابان المواطنان محمد ونبيل الهاشمي أن «النجاح يمكن أن يبدأ بمشروع بسيط لا تتجاوز ميزانيته بضعة آلاف من الدراهم، وأن الطموح والإرادة الحقيقة لا يعترفان بالمستحيل، يكفينا كلمات الثناء على ألسنة زبائننا الإماراتيين والخليجيين، التي تعتبرنا قدوة إيجابية وعقولاً مستنيرة».

القوة الدافعة

وجّه محمد ونبيل الهاشمي الدعوة إلى كل الشباب الباحثين عن وظائف إلى عدم التردّد في امتهان أعمال التجارة والبيع، فالرسالة وطنية والهدف نبيل والربح مضمون، متوجهان بالشكر لكل أفراد عائلتهما الذين كانوا بمثابة القوة الدافعة التي شجعتهما على الاستمرار والتمسك بالحلم وتحقيقه، وحرصوا على أن يكونوا من أوائل الزبائن لتجربة كل ما هو جديد من صنعهما، ودعمهما للمشروع عبر تحويل حسابهما في مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسائل للدعاية له.

«البداية كانت كشكاً صغيراً لصناعة (الدونات)، وأحاطتنا نظرات استغراب تحوّلت في ما بعد إلى تشجيع وتقدير».

«المستقبل لعالم الأعمال والأفكار المبتكرة، التي تحتاج إلى طاقة الشباب وقلبه المفعم بالنشاط والأمل».

5000

درهم بدآ محمد ونبيل بادخارها شهرياً، لتحويل حلمهما إلى واقع ملموس.