«الإثارة».. مطلب جماهيري يهدّد البرامج الحوارية
حذر الإعلاميان في قناة «العربية» الإخبارية منتهى الرمحي مقدمة برنامج «بانوراما»، ومحمود الورواري مقدم برنامج «الحدث المصري»، من خطورة سعي البرامج الحوارية المختلفة، الـ«توك شو» إلى الإثارة، أو ما اصطلح على تسميته بـ«الاستجابة لنظرية الجمهور عاوز كدة»، مؤكدين أن «معايير المهنية في الحوار، تبقى الضمانة الأساسية لخطاب إعلامي متوازن، يبقى فيه المذيع على مسافة واحدة من مختلف أطراف القضية المثارة».
جاء ذلك، خلال ندوة أدارها رئيس تحرير جريدة «الإمارات اليوم» الزميل سامي الريامي، واستضافها ظهر أمس، نادي دبي للصحافة، وشهدت حضوراً إعلامياً متوسطاً، خصوصاً من مذيعين شباب يعملون في القنوات التلفزيونية لمؤسسة دبي للإعلام.
واتفق الضيفان بنسب متباينة على أن الدور الذي تلعبه ردة فعل الجماهير تجاه المواقف والأخبار والتصريحات المثيرة، هي أحد الفخاخ التي تعترض طريق الإعلامي تجاه الصدقية والموضوعية، مطبقين آراءهما بشكل مباشر على برنامج كل منهما على حدة.
| مغامرة ودموع اتفق الإعلاميان منتهى الرمحي ومحمود الورواري على أن تقديم برنامج حواري مرتبط بالشأن السياسي في الوضع العربي الراهن يظل بمثابة مغامرة تعرض الأمان الشخصي لصاحبها في كثير من الأحيان للخطر، خصوصاً في حال الاحتفاظ بمسافة واحدة من جميع أطراف النزاع أثناء تأديته رسالته الإعلامية، بسبب أن الكثيرين يتهمونه دائماً بالانتماء للمعسكر الآخر. واعترفت الرمحي بأن الاستهداف الإعلامي لشخصها لفظاً وتهديداً هو ما يقف وراء عدم فتحها حساب على «تويتر» أو «فيس بوك» حتى الآن، مضيفة: «ما يخبره الإعلامي بعد مرحلة من تقديم برنامج ناجح، هو أنه والمؤسسة التي يعمل فيها قد أضحيا جزءاً من مشروع أو حملة لتصفية حسابات واسعة». الإعلامي المصري محمود الورواري الذي أذاع نبأ تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك، اعترف بأنه اجتهد لحبس دموعه اثناء قراءة الخبر، دون أن يتمكن من تجاوز تأثير ذلك في صوته، وهو ما مكنه من الاحتفاظ بموقعه في «العربية»، مضيفاً: «خاطبتني إدارة القناة بأن ما شفع لي أنني تمسكت في أدائي المهني بالحياد، من خلال حبس دموعي، رغم ما عكسه واقع لحظة تاريخية على صوتي». وأشارت مديرة نادي دبي للصحافة منى أبوسمرة إلى أن النادي سينظم العديد من الندوات واللقاءات في مجالات مختلفة خلال المرحلة المقبلة، لافتة إلى ان أبرز ما سيميز تلك اللقاءات التي تستضيف إعلاميين أنها ستضار بأسلوب يتسم بالتلقائية، ويقربها من طبيعة الجلسات التي يناقش فيها أبناء المهنة الواحدة، القضايا الأكثر إلحاحاً على الساحة. |
ورغم أن الرمحي أكدت اهتمامها بالنخبة في حوارها الإعلامي معللة ذلك بأن الحوار بالضرورة للجمهور العريض من المحيط إلى الخليج، في حال مناقشة شأن عربي على سبيل المثال، وأبدت تساؤلاً افتراضياً حول مقولة «الجمهور عاوز كدة» إلا أن تحليل الرمحي لواقع الـ«توك شو» ذهب إلى أن «البرامج الأكثر إثارة للمشاهد تبقى دائماً ذات حظ أوفر في المتابعة الجماهيرية»، مستشهدة بإحصاءات مواقع «يوتيوب» ونوعية المقاطع التي تقع ضمن فئة الأكثر مشاهدة، مضيفة: «بشكل قطعي فإن الأكثر مشاهدة عربياً هي إما مقاطع استثنائية وغير مألوفة من حيث خروج الضيف أو المصدر عن اللباقة والنسق الحواري المفترض، أو تلك المقاطع التي تصنف صراحة ضمن المواقع اللا أخلاقية والمروجة في ذاتها للانحلال». واستشهدت الرمحي بأحد اشهر المقاطع الرائجة لها على موقع «يوتيوب»، مشيرة إلى أنه مقطع تضمن تهديداً بالقتل بين طرفي الحوار المختلفين، على الهواء مباشرة.
ورأت الرمحي أن «استمرارية البرنامج الحواري على مدار سنوات، فضلاً عن استمرارية متابعته لحدث بعينه، يفرض على المحاور أن يعمد إلى تعددية المحاور التي يتم عبرها تناول الحدث، كما هي الحال مع تناول الشأن السوري الذي طال لأكثر من عامين وثلاثة أشهر، واستمر صراعاً مسلحاً، بخلاف الشأن المصري أو الليبي الذي يحتوي على الكثير من التفاصيل والتنويعات».
واعترفت الرمحي بأن برنامج «بانوراما» تنخفض متابعته بشكل خاص يوم الثلاثاء من كل أسبوع، بسبب تزامنه مع برنامج «الحوار المعاكس» على قناة الجزيرة، في إطار برهانها على ميل المشاهد لمتابعة البرامج التي يتوقع أن تتضمن نسبة اعلى من الإثارة.
ورأت الرمحي أن النموذج السوري هو الأصعب من حيث المتابعة الإعلامية، ليس لأسباب تتعلق بسخونة الأوضاع فقط، بل ايضاً للصيغة التي تنظم العلاقة بين طرفي النزاع والشعب السوري نفسه، بما في ذلك سياق العلاقة مع الإعلام، مضيفة: «بعد حواري مع الرئيس اليمني في فترة الضغط الثوري لتنحيته عن الحكم، وأثناء عودتي من مطار صنعاء، صادفني شخصان تربطهما علاقة زمالة في العمل بالمطار، أحدهما كان يتمنى التوفيق للرئيس، والآخر يجاهر بدعواته لأن تتعجل عملية تركه السلطة، دون ان ينعكس ذلك توتراً ورفضاً للطرف الآخر، وهو أمر يستبعد حدوثه في الشأن السوري، ما يصعب من مهمة التعامل الإعلامي مع القضية».
وتطرق محمود الورواري إلى تجربته في البرامج الحوارية، خصوصاً «الشارع المصري»، مؤكداً أنه يرفض الأسلوب السائد في البرامج الحوارية المصرية على وجه العموم، بسبب اتكائها على عناصر الإثارة في المقام الأول، فضلاً عن الانحياز لطرف دون الآخر، ودغدغة مشاعر الجمهور من خلال التركيز على مواقف بعينها يتوقع لها أن يتم تداولها بعد ذلك على نطاق واسع.
ورغم أن الورواري أكد أن معيار «الجمهور عايز كدة» هو ما يحكم تلك النوعية من البرامج، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أن الجمهور نفسه لم يتوافر له خيار إضافي، مشيراً إلى انه في حالة توفر البديل على نطاق أوسع فإن خريطة اولوياته من دون شك ستتغير.
وأشار الورواري إلى قناعته بأنه لا يوجد بالنسبة للمحاور الجاد ضيف مهم وآخر عديم الأهمية أو سطحي، مضيفاً: «ليس لدي مشكلة في أن يكون ضيفي بعد أن أستضيف قامة فنية مثل علي الحجار، هو الفنان الشعبي شعبان عبدالرحيم، لكن المحك هو كيف سيسير الحوار، وهل سأذهب أنا لمساحة عبدالرحيم، ام سأفرض أسلوبي ومنطقي على الحوار».
ورأى الورواري أن إحدى علامات فشل المذيع مهنياً هو ان يكون محسوباً على جهة بعينها، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الأكثر حيادية يصبح في هذه الأجواء مرفوضاً ومشكوكاً فيه من كلا الطرفين المتناهين في الخصومة، مشيراً إلى أن وجود مساحة أكبر من الجمهور التي تفضل العرض الإعلامي المتوازن الذي لا يتستر بصراخ وانفعالات الضيوف بحاجة إلى مزيد من النضج في متابعة الخطاب الإعلامي، وهو ما يستلزم من وجهة نظره ايضاً مزيداً من الوقت.