بشارة خوري: الجـوائز لا تهمني
قال الموسيقار اللبناني المقيم في باريس، بشارة خوري، إن «الموسيقى الكلاسيكية مازالت بعيدة عن المستمع العربي، ولم تصل إليه بدرجة مرضية، ومن هنا تظهر أهمية الفعاليات والمهرجانات التي تسعى إلى تقديم الموسيقى الكلاسيكية إلى الجمهور في الوطن العربي، مثل (مهرجان أبوظبي)، الذي يهدف إلى تعريف الجمهور بالموسيقى الكلاسيكية، ويعمل منذ 10 سنوات على خلق أرضية جماهيرية لهذا النوع من الفنون الراقية في دولة الإمارات، وبين الجمهور من مختلف الجنسيات، عبر اجتذاب نجوم العالم».
وأشاد باهتمام المهرجان بتكليف الفنانين المشاركين بإنتاج وتقديم أعمال حصرية تقدم لأول مرة في العالم، ما يمنحه زخماً وخصوصية مميزة.
وأشار خوري في حواره لـ«الإمارات اليوم»، إلى أن إقامة مهرجان يحتفي الموسيقى الكلاسيكية وبحوار الحضارات، من خلال لغات الثقافة والفنون المختلفة، مثل «مهرجان أبوظبي»، قد لا يكون متاحاً لكثير من الدول العربية، فهو يحتاج إلى إمكانات مالية كبيرة، ولكن الأهم أنه يحتاج إلى رؤية وفكر منفتح على الثقافات والفنون، كما يحتاج إلى إرادة لتأسيس هذه الثقافة الجديدة لدى الجمهور، وهو ما ينطبق على أبوظبي التي تقوم بخطوات جريئة جداً في مجال الثقافة والفنون، لافتاً إلى أنه حتى في الغرب هناك صعوبة لدى قطاع عريض في تقبل الموسيقى الكلاسيكية، خصوصاً اللون المعاصر الذي يقدمه.
من جهة أخرى، عبّر خوري الذي قدم عمله الجديد «القصيدة الشرقية» في أول عرض عالمي له خلال حفل ختام «مهرجان أبوظبي» بتكليف حصري من المهرجان، وقامت بتأدية العمل الأوركسترا التشيكية الفلهارمونية بقيادة جيري بيلولافيك، عن أمله في ألا تؤثر الأحداث التي يشهدها العالم العربي حالياً في أوضاع الفنون والثقافة، أو ان تؤدي إلى تراجعها، معرباً عن أمله في أن يسهم الحراك الفني في تهدئة الأمور قليلاً. وأشار خوري إلى أن الفن والثقافة لا يتغيران في لحظة، فقد يتغير النظام السياسي بين يوم وليلة، ولكن الأمر يختلف في ما يخص الفنون، فالتغير فيها يتم بوتيرة أبطأ من السياسة، لأن الفنون أكثر عمقاً وتغلغلاً في المجتمع ووجدان البشر.
بين الشرق والغرب
عن اتجاهه الفني الذي يقوم على الجمع بين الشرق والغرب في موسيقاه، أوضح خوري، الذي بدأ نجمه يسطع في عالم التأليف الموسيقي منذ عام 1985 حين أنجز تأليف سيمفونية «أطلال بيروت» على ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية، أن «هذا التوجه ينسجم مع نشأته في لبنان الذي يتميز كبلد بالجمع بين الشرق والغرب، ثم انتقاله للإقامة في باريس، فجاءت موسيقاه لتعبر عن المحيط الغربي الذي يعيش فيه، وفي الوقت نفسه الجذور الشرقية التي ينتمي إليها والذكريات التي يمتلكها»، لافتاً إلى أن الموسيقى الشرقية تجد حالة من الرواج الواضح في الغرب حالياً.
وأضاف: «ليست هناك معايير معينة لتكوين خلطة ناجحة في المزج بين الشرقي والغربي، فالأمر يعتمد على المقطوعة الموسيقية والأجواء التي تعبر عنها. ولكن في المجمل موسيقاي تحمل الروح الشرقية ولكنها غير خالصـة، فالأساس الذي تقوم عليه هو الموسيقى الكلاسيكية مـع تطعيمها بنغمات شرقيـة وفقاً للتقنيات الغربية، والنغمات الشرقية هنا تعني تلك المنتمية إلى الشرق الأوسط، فالشرق متعدد الثقافات الموسيقية، مثل موسيقى الشرق الأقصى كاليابان والهند، وهناك مناطق مثل ارمينيا وغيرها»، موضحاً أنه «لا يتبع وصفة أو نسب معينة عند التأليف، ولكن يتم الأمر بعفوية».
عائلة مبدعة
وصف خوري تأثير نشأته في عائلة ثقافية وفنية بالكبير عليه، فوالده الشاعر عبدالله خوري، وجده الشاعر المعروف بشارة خوري «الأخطل الصغير» من جهة، وأخواله الرحابنة من جهة أخرى، كل منهم عرف بانفتاحه على العالم وثقافاته المختلفة. وأضاف: «من المؤكد أنني تأثرت كثيراً بهذه النشأة بين الشعر والموسيقى، ومن حيث التوجه إلى الدمج بين الشرق والغرب، فالأخطل الصغير كان كثير الاطلاع على الثقافة الغربية، وربما ظهر ذلك على أسلوبه وقصائد فكانت أقصر من المعتاد في الشعر العربي آنذاك، واهتم بالصورة الشعرية ونوعيتها، كذلك المر بالنسبة للرحابنة الذين درسوا الموسيقى العربية والغربية ونجحوا في التجديد في الموسيقى العربية وقدموا مزجاً بين الشرقي والغربي في كثير من أعمالهم، ولكنها في المجمل استندت على قاعدة شرقية قوية، أما بالنسبة لي فأعمالي تستند إلى اسس كلاسيكية غربية مع لمسات شرقية».
90 عملاً
من ناحية أخرى، قال بشارة خوري، الذي حصل على عدد من الجوائز، منها جائزة روسيني من أكاديمية الفنون الجميلة من فرنسا، وترشح لجائزة التأليف الموسيقي الكلاسيكي العالمية «ماستر برايز»، التي تنظم في لندن، إن «الجوائز لا تهمه كثيراً، فالفنان لديه مشروعه الفني الذي يعمل عليه، بصرف النظر عن حصوله على جوائز أو لا، ولكن الجوائز قد تفيد في لفت أنظار وسائل الإعلام إلى الفنان الذي يحصل عليها، وتسليط الضوء عليه بصورة أكبر».
وأوضح الفنان اللبناني، الذي تضم حصيلة أعماله نحو 90 عملاً موسيقياً، قامت بتأديتها وعزفها أشهر فرق الأوركسترا العالمية على خشبة مجموعة من أبرز المسارح والمهرجانات الموسيقية في جميع أنحاء العالم، منها (ساليه بليل)، و(باربيكان)، ودار الأوبرا في القاهرة، و(مهرجان آسبن)، أن «وجوده في الغرب وتحديداً في باريس وانطلاقته فنياً من هناك كان له سلبيات وإيجابيات، فالأولى تمثلت في صعوبة الدخول إلى المحيط الفني وإيجاد مكانة ومساحة للانطلاق وإثبات الذات هناك، كشخص غريب ولا ينتمي إلى المكان، إما الايجابيات فتمثلت في اختلاف ما لديه من فن وأسلوب، انطلاقاً من شرقيته، عما هو مطروح، خصوصاً أن هناك شغفاً بالشرق لدى جانب غير قليل من المستمعين في الغرب».