«أبراج كابيتال».. سياســة وحياة وفناء
تحمل الأعمال التي فازت بجائزة «مجموعة أبراج للفنون»، التي تقام ضمن معرض «آرت دبي» للدورة الخامسة، كثيراً من الهواجس والنزعات الذاتية لدى الفنانين، سواء الهواجس التي ترتبط بحياتهم الشخصية أو المهنية. وقدم كل من الفنانين الخمسة الذين فازوا أعمالاً تتناسب وأحلامهم وكذلك مخاوفهم، الأمر الذي جعلها تتميز بالمباشرة في الطرح، وعدم التكلف في عناء تعقيد المادة المستخدمة في العمل الفني. وقد طرح الفائزون وهم: فارتان أفاكيان، وإيمان عيسى، وهوما مولجي، وهراير سركيسيان، وريان تابت أنماطاً فنية تباينت بين النحت والتصوير والتركيب، انطلاقاً من التصوير، وهو المجال الذي كوّن فيه الفنان السوري هراير سركيسيان خبرته في الفن وقدم عمله في هذه الجائزة.
فقد حمل العمل، وعنوانه «خلفيات»، ثلاث صور التقطها لخلفيات استوديوهات زارها في ست مدن في الشرق الأوسط وهي: الإسكندرية، وعمّان، وبيروت، وجبيل، والقاهرة، وإسطنبول. وعبّر سركيسيان من خلال هذا العمل عن الانحسار، والتقليدية التي تواجه التصوير في الاستوديوهات الخاصة، حيث إن الخلفيات التي تطرح غالباً ما تتمحور حول مشهد جمالي لمشهد من الطبيعة أو بناء جميل أو آلة موسيقية.
يعطي الفنان الخلفية حجماً مهماً في عمله ليعبّر من خلالها عن أهمية فن البورتريه في القرن الـ20، هذا الفن الذي يعد جزءاً لا يتجزأ من تاريخ فن التصوير الضوئي في المنطقة. وقد اعتمد سركسيان في عمله على طباعة الصور التي التقطها بأسلوب طباعة الخلفيات الموجودة في الاستوديو مع ترك مساحة للإضاءة الخلفية التي تسهم في إبراز تفاصيل العمل.
حياة وفناء
| جائزة أبراج للفنون تعد جائزة مجموعة أبراج الفنون من أبرز الجوائز التي تمنح على أساس مقترحات الفنانين وليس أعمالهم المنجزة. وإن الهدف الأساسي من إطلاقها هو تعزيز إمكانات الفنانين المعاصرين الذين غالباً ما يكون تمثيلهم ناقصاً، ولإعطائهم الفرصة لتطوير مواهبهم. ويتعاون الفنانون مع منسق فني عالمي، يتيح لهم الاستفادة من اتجاهات الفن الحديث. وتسهم في نقل أعمالهم الى العالمية من خلال عرضها في البيناليات الدولية، ومنها بينالي الشارقة، وبينالي سدني، إلى جانب عرض الأعمال في المتاحف العالمية، ومنها متحف فيكتوريا وألبرت في لندن، ومتحف سميثسونيان في واشنطن دي سي. وتبدأ طلبات التسجيل للدورة الجديدة لعام 2014 منذ نهاية شهر مارس.
|
وضعت الفنانة المصرية إيمان عيسى، عبر «عناصر مشتركة»، كثيراً من تجاربها الشخصية في العمل، معتمدة على أبحاثها التي أجرتها حول السيّر الذاتية والمتاحف. تشكل عملها من قطع خشبية منحوتة، إلى جانب العديد من اللوحات التي كانت تحمل صوراً وعبارات تأثرت بها الفنانة. هذا العمل يعد رواية لحياة مكرّسة للثقافة والفكر والفن والعدالة، فالعبارات التي استخدمت تحمل كثيراً من التصريحات المباشرة حول الفكر الخاص بالفنانة، وكيف تنشأ علاقة قوية بين الدراسات الميدانية والحياة، مستعينة بأدوات وتقنيات الفن الحديث.
وعلى الرغم من اعتمادها على المباشرة في الطرح، إلا أن أفكارها وهواجسها من العالم الخارجي تكرّست وبشكل واضح، من خلال التصوير الضوئي، الذي اعتمدت فيه رصد بعض المشاهد من حياة البشر مع اختزال لبعض الأجزاء البشرية، وكأنها في عملية رصد لعادات وقيم البشر التي تحكم الحياة.
أما العمل الذي قدمته الفنانة الباكستانية هوما مولجي، الذي حمل عنوان «حيوات هذا وذاك العجائبية»، فيستحق تسميته صندوق العجائب. بنت مولجي عملها على شكل خزانة ترصد من خلالها مفهوم الفناء، مستعينة بالحيوانات المحنطة، وبعض القطع الخزفية التي تعد نسخة من الألعاب البلاستيكية الرخيصة، إلى جانب مجموعة من الحُلي. كثيرة هي القطع الفنية التي جمعتها مولجي في بناء واحد، يشبه المتحف الصغير، حاولت من خلاله أن تبرز مفهوم الموت والاستمرار بعد الموت، انها علاقة الروح بالمادة، والتحول والتغيير، وكيف يمكن أن تبقى المادة بعد أن تفقد الروح التي هي من يمنحها الحياة.
نزعات سياسية
«نحن قوم مصاب بالعين، ووجه من أصابنا يظهر في الرصاص حين يسكب في الماء، فلتذوب كل ذخيرتنا ونلقها في الماء، علنا نرى فيها وجه كل الأعداء».. هذه العبارة التي وضعت على لوحة إلى جانب عمل الفنان اللبناني ريان تابت، كانت كفيلة بإظهار النزعة السياسية التي يتمتع بها العمل الذي قدمه الفنان الشاب. فقد رمى الفنان في عمله، الذي حمل عنوان «وجه العدو مرسوم في الرصاص»، قطع الرصاص على قطعة أرض مترامية الأطراف، مستوحية هذه الفكرة من المعتقدات الاجتماعية القديمة التي تستخدم الرصاص للتخلص من «صيبة العين»، لتظهر الصراعات بين البشر وبين الشعوب.
هذا العمل يدمج بين المفاهيم الاجتماعية والسياسية عند البشر، وقد نفذ ببساطة تشبه بساطة تداول الناس وتحليلهم لهذه المعتقدات. أما التركيب فكان كثير الشبه بتركيب الأعمال المعروفة في استخدامها للعملات في تاريخ الفن.
ويبدو أن السياسة تحرك اللبناني أينما رحل، فعمل ريان ليس الوحيد الذي تمتع بالنظرة السياسية، حيث إن اللبناني فارتان أفاكيان، قدم «تأريخ الموجز»، إذ وضع في غرفة مظلمة سبع بلورات مدورة مصنوعة من الإكريليك الشفاف، وتحتوي كل واحدة منها على تمثال مصغر مصنوع من الذهب. هذا العمل رصد فيه أفاكيان قادة الانقلابات الفاشلة المنسيين، فقد توجه إلى أِشخاص مروا بتاريخ الأمم ولم يعد يذكرهم هذا التاريخ. هذا العمل شديد الارتباط بأحداث العالم الحالي، ويطرح التساؤل حول دور القادة في الحياة وماذا يقدمون، وربما يعيدنا وبشكل عفوي إلى استذكار القادة التاريخيين الذين لا يمكن أن ينسوا عبر التاريخ.