المناصـــرة: قصيدة النثر «بــرّدت» اللغة الشعرية
نفى الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة ان يكون استفاد من الثورة الفلسطينية، أو أنها كانت السبب في شهرته، مشيراً إلى انه عانى طوال السنوات الماضية مما سماه بـ«الرباعية القاهرة»، التي كانت تعمل ضده، وتمنع تسليط الضوء عليه، وهي تضم السلطة ورأس المال والأيديولوجيا والإعلام، وفق قوله، مشيراً الى ان 15 رسالة ماجستير ودكتوراه قدمت عن شعره ولم تنشر منها واحدة في وسائل الإعلام.
كما وصف جيله بـ«جيل المبادئ المهزومة»، وعلى الرغم من ذلك اسهم هذا الجيل في سيادة الهوية الفلسطينية في الوقت الذي كانت تتعرض فيه للإنكار.
واتهم المناصرة قصيدة النثر بـ«تبريد» اللغة الشعرية، لتصبح لغة للقراءة فقط، أو ما يعرف في أوروبا بالقراءة الصامتة أو النائمة، لتفقد بذلك قابليتها للإنشاد الذي كان يضفي على الشعر جمالية الإيقاع، حسب قوله، واصفاً قصيدة النثر بأنها «نص هجين كشكولي مفتوح». وأكد انه عندما تتلاشى «الرباعية القاهرة» تدريجياً يمكن تقييم الشاعر وشعره على أسس موضوعية.
| سيرة ولد الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة في 11 أبريل ،1946 بمدينة الخليل في فلسطين. وعاش متنقلاً بين فلسطين ومصر والأردن ولبنان وبلغاريا وتونس والجزائر. ويعمل حالياً رئيساً لقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة فيلادلفيا في الأردن، والمناصرة من جيل محمود درويش وسميح القاسم. أصدر مجموعته الشعرية الأولى «يا عنب الخليل» عام ،1968 ومن بين مجموعاته «الخروج من البحر الميت» و«قمر جرش كان حزيناً»، و«بالأخضر كفناه» التي غناها مارسيل خليفة، و«جفرا» و«كنعانياذا» و«رعويات كنعانية»، و«لا أثق بطائر الوقواق». كما صدرت طبعات عدة من مجلد أعماله الشعرية، وترجمت مختارات من شعره الى اللغات الفرنسية والإنجليزية والفارسية والهولندية. حاز المناصرة جوائز وأوسمة، من بينها وسام القدس (1993) وجائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي (1994)، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب (حقل الشعر) (1995)، وجائزة سيف كنعان (1998).
|
وأوضح الشاعر الفلسطيني أنه اعتمد منذ البداية في أشعاره على الأسلوب الرعوي والقصيدة الكنعانية والبحث في الجذور وفي نصوص الكاهن الكنعاني، ليخلق لنفسه خطاً وبصمة خاصة على الساحة الشعرية، في الوقت الذي ظهر فيه في شمال فلسطين شعراء أمثال محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما من الذين اتخذوا خطاً مغايراً. وقال ان «الشعر العربي حالياً بات يعاني الضعف والتراجع، خصوصاً في ظل انتشار قصيدة النثر».
وانتقد صاحب قصيدة «جفرا»، أداء اتحاد الكتاب الفلسطينيين، وقال لـ«الإمارات اليوم» ان «ادباء اصبحوا، بعد توقيع اتفاقية اوسلو، يسيرون وراء السياسيين بدلاً من ان يكونوا في الطليعة»، مشيراً إلى ان الأدباء والكتاب «كل منهم يعمل الآن بمفرده بمعزل عن الآخرين، وبات الجيل الجديد ينتمي إلى مجموعة صغيرة مغلقة، وهنا يكمن الخطر».
وأكد المناصرة اعتزازه بوصفه شاعراً فلسطينياً، وقال: «أنا فلسطيني من أصل فلسطيني، ولا يستطيع أحد ان يلغي هويتي، فالانتماء لفلسطين لا يكون بالولادة فيها فقط، فهو ثقافة ودم يجري في العروق، ولذا نجد لبنانيين ومصريين وأردنيين وغيرهم من الجنسيات العربية يستشهدون من أجل فلسطين وقضيتها. وبالنسبة لي على الرغم من انني عشت في المنافي 46 عاماً، فإنني لم أنس فلسطين وبلدتي (جبل الخليل) التي ولدت فيها، فنحن عروبيون حتى في المنفى».
ورفض المناصرة صاحب «كنعانياذا» ما يحدث من سجن الشاعر الفلسطيني داخل حدود معاناته في ظل الاحتلال وممارساته. وقال: «لدينا مشكلة تاريخية نعانيها دائماً، وهي سجننا داخل القضية الفلسطينية، وهو ما يجعلنا نشعر ان العالم لا يتطلع إلينا كبشر، فمن حقي كشخص أن أتنقل من مكان لمكان ومن بلد لآخر، أن أطرح كل ما رأيت ومررت به في حياتي من تجارب ومشاهدات في شعري، حتى قصيدة الحب لا يقبلون بها اذا ما كتبناها». واشار إلى إيمانه منذ البداية بمقولة لوركا «لا يمكن ان تكون عالمياً من دون أن تبدأ من بيئتك المحلية»، معتبراً نفسه عالمياً من قبل أن تترجم أشعاره إلى لغات أخرى، «فالعالمية ان يكتب الشاعر نفسه وذاته، وهو ما أقوم به». واعتبر انتشار قصيدة أو أغنية بعينها بين الجمهور، لا يعني بالضرورة جودتها، حيث يعود نجاح القصيدة إلى عوامل عدة بعضها يكمن في النص وجودته، والبعض الآخر خارجي مثل تركيز وسائل الإعلام على هذه القصيدة أو الأغنية وتكرارها على مسامع الجمهور بصورة متواصلة، على الرغم من انها قد تكون مبتذلة من الناحية الفنية، لافتاً إلى ان الشعر الشعبي أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور من الفصيح. ونفى عزالدين المناصرة ان يكون هناك صراع بين الشعراء المخضرمين والشباب، «إذا رفض شاعر كبير الاعتراف بموهبة شابة لا يكون شاعراً، ولكن يحدث أحياناً خلط للأمور، فليس من المقبول تحت ستار الجدة ان أقبل كل من يقدم نفسه باعتباره شاعراً، خصوصاً ان هناك شعراء من كتاب قصيدة النثر يقلدون حالياً ما كان ينشر في مجلة (شعر) في فترة الخمسينات، ومن الطبيعي ان نرفض التقليد في شعر الشباب، كما ان هناك نوعاً من التغريب الواضح في شعر ما بعد الحداثة، أما الشعراء أصحاب الموهبة الحقيقية فيجب ان نحتفي بهم». ودعا صاحب «قمر جرش كان حزيناً» إلى الاستفادة مما يتميز به الإعلام المصري من ظهور متوازن للشعراء من كل الأجيال من دون التركيز على جيل دون الآخر. وأضاف انه «في جيل الرواد في الشعر الفلسطيني كان هناك 50 شاعراً، ومن يعرف منهم على نطاق جماهيري لا يزيد عددهم على 10 شعراء، وهذا لا ينفي ان هناك آخرين أسهموا في حركة التحديث، ولكنهم كانوا من ضحاياه، وهو ما ينطبق أيضا على قصيدة النثر، حيث هناك رابحون وخاسرون، ولكن يظل للفرس الخاسرة مساهمتها في السباق».
واستطرد «عندما ننظر نجد ان هناك ثلاثة شعراء في فلسطين تم اختيارهم ممثلين للشعر الكلاسيكي الفلسطيني، هم إبراهيم طوقان وعبدالرحيم محمود وعبدالكريم الكرمي، وهذا لا يعني شطب الآخرين، ولكن الشعب يقوم بالغربلة، وقد تكون هناك أسباب لهذا الاختيار، ولكن المهم ان هناك إجماعاً عليهم، وهؤلاء أخذنا عنهم الروح الوطنية في الشعر، والالتزام بالقصيدة، والنقد الذاتي للهزائم التي نتعرض لها».