من أقدم الوجهات التاريخية والسياحية العُمانية

«سوق الظلام» تضيء الحياة في مسقط

سوق مطرح بنيت عام 1925 وحافظت على معمارها التراثي. الإمارات اليوم

عُمانيون ومقيمون، عرب وأجانب، باعة ومستهلكون، بالغون وأطفال، سياح ومتسوقون، هامشيون ونخبة، يضيئون مشهد الحياة اليومية داخل «سوق الظلام»، المعروفة باسم سوق مطرح التاريخي في العاصمة مسقط، فالسوق المطلة على شاطئ بحر عُمان ليست سوقاً عادية، لكنها بمثابة الملتقى الثقافي والإنساني في هذا المكان منذ عشرات الأعوام.

وعلى الرغم من هالات العتمة التي تحف جوانبها حتى أثناء ساعات النهار، إلا أن روائح العود والبخور والعطور التي تنبعث من جنباتها تضفى سحراً خاصاً على زوار السوق، التي تقع في منطقة ميناء السلطان قابوس، المرفأ العريق صاحب الدور المهم والتاريخي في الحياة التجارية والاجتماعية في عمان منذ بداية القرن الماضي.

وسوق مطرح واحدة من أقدم الأسواق العمانية على الإطلاق، إذ تقول بعض المصادر إنها بنيت عام ،1925 وأطلق عليها اسم «سوق الظلام» لأنها مظللة بحيث يُحجب ضوء الشمس خلال النهار، فيما تكثر فيها الأزقة والسكك، وتتميز بممراتها الضيقة والمتعرجة المسقوفة بالخشب والحجارة.

وبينما تكتظ السوق بالحركة والنشاط على مدار اليوم، ترتفع المحال ذات الأبواب الخشبية على جانبي ممراته عن الأرض، بحيث يتمكن الزوار من مشاهدة معروضات تلك المتاجر، ويتمكن الباعة أيضاً من التعامل مع زبائن عدة في الوقت ذاته.

وقديماً، كان العمانيون يقطعون مئات الكيلومترات للوصول إلى مسقط لزيارة هذه السوق المظلمة، إذ يؤكد قاطنوها أنها ظلت منذ بنائها، وفي كل الأوقات، تعج بالحركة، إذ يجذب التنوع الكبير لبضائع المحال، السياح والمقيمين، والعمانيين أيضاً، على مر السنين.

وتقدم متاجر السوق تنوعاً ملحوظاً، إذ يجد المتسوقون فيها المشغولات اليدوية كالفضيات والخناجر، والأسلحة اليدوية القديمة، والأقمشة التقليدية، والملابس الجاهزة، والأحذية، والمنسوجات المطرزة، والسجاد، وحتى الحلوى العمانية والبهارات، والتوابل، كما أضيفت إلى منتجات السوق حديثاً بعض الإلكترونيات، ولعب الأطفال، والأجهزة الكهربائية، وبعض المطاعم الصغيرة والمقاهي الشعبية.

الطبيعة التراثية

يقول أصحاب محال في السوق إنها «حافظت على طبيعتها التراثية، وبقيت لتشبه الشكل التقليدي للأسواق الشعبية العربية، لكن التطور في الأسواق وظهور المراكز التجارية الضخمة، أوجبا إجراء بعض التحديثات، مثل تركيب أجهزة التكييف والإضاءة الحديثة داخل السوق»، لافتين إلى أن «أجواء السوق تجعل من وجود الزوار متعة، إذ يجد الزائر فيها الترفيه إلى جانب التسوق».

ويروي أحد تجار السوق، محمد خان، أن «سوق مطرح باتت معروفة لدى السياح، إذ تم تضمينها بين المواقع التي يتوجب على السياح زيارتها عند إقامتهم في عمان»، ويضيف «نرى هنا سياحاً من كل بلدان العالم، فهم يقبلون على شراء الصناعات التقليدية، خصوصاً التحف التراثية والخناجر العمانية»، ويضيف «تتزايد أعداد السياح الذين يزورون السوق عاماً بعد آخر، لكن حركة السياحة تزدهر خلال إجازات الأعياد، إذ أصبحت السوق مرادفة لزيارة العاصمة مسقط»، ويضيف «الكل هنا يعيش تجربة تاريخية قبل أن يقوم بعملية الشراء، فالأسعار في السوق أقل نسبياً من قرينتها في المراكز التجارية الحديثة والمولات المنتشرة في أرجاء البلاد»، ويضيف خان «إن هذا المكان التاريخي يشرح لزواره تفاصيل عديدة، إذ يرصد بشكل ملموس التطور الذي شهدته البلاد على مر السنوات، فهو مزار سياحي تراثي قبل أن يكون سوقاً تجارية شعبية»، ويشير إلى أن «أجيالاً عدة تعاقبت على هذه السوق، سواء من التجار أو من المستهلكين، لكن السوق ازدادت جمالاً وحيوية، وبقيت نقطة التقاء للتفاعل الإنساني والاجتماعي».

المشغولات والتراث

بخلاف المشغولات الفضية، يعج محل البائع أحمد عبدالله بمئات القطع التراثية من الخناجر العمانية واللوحات الفنية والسجاد والحلي والأحجار الكريمة المتعددة الأشكال والألوان، فهو يخاطب ببضائعه هنا «كل أنواع السياح، إذ يسعى إلى إرضاء كل الأذواق وكل المستويات، بما ينشّط من التجارة، ويضاعف الرواج»، ويضيف عبدالله «هنا تجد سجاداً أصلياً، وتجد أيضاً بعض البضائع الرخيصة المصنوعة في الصين، الكل يجب أن يخرج من السوق حاملاً معه هدية تذكارية ولو بسيطة، تذكّره بأنه مر هنا يوماً واستمتع بهذه السوق التاريخية».

ويقول أحد البائعين، خالد عمر، إن «سوق مطرح تختلف عن الأسواق الحديثة التي تمتلئ بها البلاد، فهي ليست سوقاً لبيع السلع بقدر ما هي متحف كبير، ومكان يجسد حياة الناس في بحثهم عن الفرص التي تلائمهم فيه»، ويستطرد «هناك زبائن اعتدنا أن نراهم بصورة دورية، يأتون هنا حتى لو لم يرغبوا في إنجاز صفقة تجارية أو شراء سلعة يرغبون فيها»، ويضيف «بقدر ما تمثل هذه السوق من أهمية تجارية، فإنها تعكس أهمية تاريخية وإنسانية واجتماعية، إذ يوجد هنا تاريخ البلاد التجاري والاقتصادي، كما يوجد حاضرها الذي ينشر تسامحها وانفتاحها على العالم وقبولها الآخر».

سياحة أجنبية

في الجانب الآخر من السوق، يجلس السائح البريطاني، جاك توماس، يتناول مشروباً غازياً مثلجاً على أحد المقاهي الرئيسة أمام السوق، بعد أن أنهى جولته في الداخل، ويقول إنه «للتو خرج من واحد من أهم المزارات السياحية والتراثية التي رآها في العالم»، ويضيف «هذا المكان مميز ولم أشاهد مثله، على الرغم من أنه يشبه بشكل عام الأسواق الشعبية في معظم البلاد العربية، لكن له نكهه خاصة»، ويؤكد ان «أصدقاءه الذين زاروا عمان من قبل نصحوه بزيارة هذه السوق والاستمتاع بالجو النفسي الذي تضيفه، فهو مريح للنفس، على الرغم من أنها قد تكون مرهقة للميزانية المالية للسائح، خصوصاً مع جودة المعروضات ذات الأسعار المرتفعة»، ويقول «اشتريت بعض المعروضات من المشغولات الفضية والخناجر التراثية واللوحات الفنية والسجاد، ستظل هذه الأشياء ذكرى لواحد من أروع الأسواق في العالم».

وفي وقت سابق، قال تقرير دولي حديث للمؤسسة العالمية لمراقبة الأعمال، إن «السلطنة تسعى إلى جذب 12 مليون زائر سنوياً بحلول عام ،2020 بزيادة قدرها أربعة أضعاف على المستوى الحالي، إذ تخطط لتصبح وجهة سياحية من الطراز العالمي».

وحقق قطاع السياحة في السلطنة توسعاً سريعاً، إذ أصبح واحداً من أهم القطاعات غير النفطية المتخصصة في السياحة البيئية والسياحة الراقية، اذ لاتزال السلطنة من الوجهات السياحية الكبرى التي لم تكتشف بعد، إلا أن هذا الوضع من المحتمل أن يتغير خلال السنوات المقبلة.

صناعات وخناجر

يقول السائح محمد علي، من الإمارات، إنه يزور هذه السوق بعد ان أخبره عنها اصدقاؤه، إذ تمتلئ بالصناعات التقليدية لاسيما الخناجر العمانية الرائعة والصناعات الجلدية والأقمشة والملابس الشعبية. ويضيف «سوق مطرح أكبر من كونها سوقاً، إذ تتعدى ذلك كونها سجلاً اقتصادياً واجتماعياً وشعبياً لتلك البلاد المتمسكة بتقاليدها على الرغم من انفتاحها على العالم»، ويشير إلى أن «المتسوقين يجدون هنا في سوق مطرح ضالتهم التي يبحثون عنها، فهنا تمتلئ الطرقات والسكك بالبضائع المحلية والمستوردة التي يسعى إليها السائحون»، ويضيف «التنوع سمة أصيلة من سمات سوق مطرح، فأنت تجوب بين ثقافات العالم المختلفة عبر المشغولات والحلي والتحف المختلفة التي تمتلئ بها المحال منها الهندي والعُماني والصيني والإماراتي واليمني والبحريني»، ويشير إلى أن المطاعم منتشرة في السوق، كما يمكن هنا شراء الحلوى العمانية من محال قديمة، كما يمكنك ايضا شراء أشياء حديثة من أدوات كهربائية، وأخيراً اجهزة الهاتف المحمول التي تصل عراقة السوق بمستقبلة المشرق».

وبحسب موسوعة ويكيبيديا، فإن «سلطنة عمان شكلت على امتداد التاريخ مركزاً حضارياً نشطاً تفاعل منذ القدم مع مراكز الحضارة في العالم القديم، وكانت واحدة من المراكز الحيوية على طريق الحرير بين الشرق والغرب، اذ كانت من أكثر المراكز التجارية ازدهاراً في المحيط الهندي حتى النصف الثاني من القرن الـ19»، وبينما تشير الدراسات التاريخية إلى الصلات العديدة بين الحضارة العمانية وحضارة الشرق القديم في الصين والهند وبلاد ما بين النهرين، فضلاً عن الصلات مع حضارات شرق البحر المتوسط ووادي النيل وشمال إفريقيا، فإن الدور الذي اضطلعت به عمان في نشر الدعوة الإسلامية منذ دخولها طواعية إلى الإسلام، إذ مثل التاريخ العماني سلسلة متصلة الحلقات أسوة بتاريخ الأمم والشعوب ذات الحضارة والدور التاريخي الذي يمر بمراحل مختلفة.

طباعة