علـي مـيرزا ذاكــرة بحريـــة
نجح النوخذة المواطن، علي عبدالله ميرزا، (80 عاماً)، في إدارة دفة محمله الذي مخر عباب البحر، طوال 30 عاماً، واجه خلالها مخاطر وأهوالاً يصعب تجاوزها والنجاة منها، الأمر الذي دفعه إلى حفظ وتوثيق هذا النجاح للأجيال الجديدة، من خلال كتاب «أسفار في علم البحار»، وعرض بومه (الممتاز) الذي يتجاوز عمره الـ55 عاماً، الذي كان غارقاً في بحر الشارقة، على كورنيش خورفكان. وقال ميرزا لـ«الإمارات اليوم»: «رغبتي في نشر تراثنا وتراث أجدادنا، للأجيال الجديدة، دفعني إلى حفظ وتوثيق مسيرتي المهنية، من خلال كتاب (أسفار في علم البحار)، الذي صدر عام ،2004 ليكون دليلاً لأي مسافر أو ربان في رحلاته إلى المدن والموانئ القريبة أو البعيدة عن منطقة الخليج.
| لغة البحر سلط النوخذة علي عبدالله ميرزا، في كتابه «أسفار في علم البحار» الضوء على أبرز مصطلحات لغة البحر، التي كان يستخدمها خلال رحلاته، ومنها: الكايد: سراج كبير. قصار: أحجار كبيرة تحت البحر. المجرى يختلف: وجود مشكلات. الصدر: صدر السفينة. على النقر: مؤخرة السفينة. هواء البلات: هواء قوي، عرف باسم (البلات). التشالة: شبيهة الدوبة، (وهي سفينة عريضة من الحديد). الهواء دوق: لا يوجد هواء. السنجار: المرافقين. بويات: علامات. المتوت: سمك صغير، يظهر شهاب في البحر. شهاب: يضيء. القفال: انتهى موسم السفر بالبحر. |
وأضاف «تناولت في الكتاب المجاري المائية في الخليج، من مضيق هرمز إلى الكويت والبصرة والسعودية والبحرين وقطر وأبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة، وقدمت وصفاً تفصيلياً لها، إضافة إلى الطرق البحرية التي تقع بين مضيق هرمز لتصل إلى مكران وباكستان والهند، ومجاري عمان واليمن ومسقط ورأس الحد وجزيرة مصيرة، محدداً الاتجاهات والطرق الأفضل والصحيحة، التي يمكن أن يستعين بها البحارة في اتجاهاتهم المختلفة»، وأكمل «قدمت في الكتاب شرحاً مفصلاً عن مواقع الجزر والمسافات بين كل بلد والاتجاهات التي يمكن أن يستعين بها النوخذة أو الربان، للوصول إلى موانئ أو بلدان أو جزر بعينها، هذا إلى جانب قصص البحر وأهوال الأسفار، والمراكب التي كنت أملكها، والتي بلغت 17 بوماً ومركباً، ومجموعة من صورها».
30 عاماً
قال ميرزا: «امتلكت خلال مسيرتي المهنية الطويلة في البحر 17 بوماً ومركباً، دخل بعضها للمرة الأولى بحار الدولة، فبوم (فتح الرحمن)، يعتبر أول بوم يدخل خورفكان عام ،1950 ومركب (المنصورة)، هو أول بوم يدخل خور الشارقة عام ،1960 لكن للأسف تعرضت لمجموعة مختلفة من الحوادث، غرق على إثرها بعضها، في حين احترق بعضها الآخر، لكن بفضل الله، نجحت في الحفاظ على أحدها، إذ قمت بانتشاله بالتعاون مع شركة متخصصة، من قعر البحر في الشارقة، وترميمه، ومن ثم نقله إلى كورنيش خورفكان، ليكون شاهداً على أيام رحلات الأسفار في الماضي، وكلفني الأمر ما يقارب المليون درهم، وقد أطلقت عليه اسم (الممتاز) نسبه إلى أقرب الأبوام التي كنت أملكها على قلبي».
ولم تقف جهود ميرزا في نشر التراث عند هذا الحد، بل تعدته إلى «المشاركة في رواية التراث في فعاليات تراثية مختلفة داخل الدولة، ومشاركة في سلطنة عمان، وكتابته «قصص من الماضي»، في إحدى الصحف المحلية.
مسيرة
أوضح ميرزا «بدأت مسيرتي في عباب البحر، حين كنت في الـ12من عمري، برفقة والدي، بعد أن انتهيت من الدراسة لمدة تسع سنوات في إحدى مدارس البحرين، وحفظت القرآن على يد المطوع محمد عبدالله حصوة، وعندما اشتد عودي اصطحبني والدي في رحلاته إلى بعض الدول المجاورة والبعيدة، الأمر الذي جعلني أعشق الترحال والسفر، وعملت مساعداً له على سفينته لمدة أربع سنوات، ثم اتخذت قرار تحمل مسؤوليتي وخوض التجربة، وذلك بمركب خاص بي، ولم يتردد والدي بالموافقة»، واستطرد «صنعت مركباً خاصاً بي، وقررت أن يقتصر عملي به على السفر والترحال بين الموانئ للتجار فقط، وعندما انتهيت من صنع المركب شعرت بالمسؤولية، وانتابني شعور بالفرح والخوف معاً، وكانت أول رحلة سافرت فيها إلى الباطنة في بحر عمان، كنت أنقل الحطب العادي الذي كان يستخدم وقوداً وللإنارة والتدفئة كذلك، وكمية من (الدعون)، وهو نوع من جريد النخل يستخدم في بناء البيوت القديمة، ونذهب لبيعه في البحرين أو قطر، ثم ذهبت إلى البصرة، واشتريت من هناك حمولة كبيرة من التمر والفصم «نوى الرطب بعد الأكل، ويستخدم علفاً للماشية»، واستمر عملي على هذا الوضع سنوات عدة، إذ كنت أتنقل بين الموانئ الخليجية فقط»، وذكر ميرزا «بعد رحلاتي بين الموانئ الخليجية، قررت أن تتضمن رحلاتي موانئ أبعد، وكانت أول رحلة إلى مدينة بومباي في الهند في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، ثم توجهت منها إلى كالكتا وكيرالا لنشتري من هناك الأخشاب التي تستخدم في صنع السفن، ثم نعود بها إلى دبي لبيعها على التاجر مرشد راشد العصيمي، الذي كان يملك متجراً كبيرة في منطقة ديرة في بر دبي».
| تكريم
مجهودات ميرزا في توثيق وتسجيل الموروث الشعبي الإماراتي قبلتها إدارة التراث في الشارقة عام ،2005 بتقدير خاص، إذ تم اختياره الشخصية الرئيسة، في فعالية «يوم الراوي»، وهو تقليد سنوي لتكريم رواة الموروث الشعبي، وتكريم الباحثين والإخباريين والإعلاميين، تشجيعاً لهم، ولحثهم على بذل المزيد من الجهد لتوثيق وتسجيل الموروث الشعبي الإماراتي. |
صعوبات ومخاطر
عن الصعوبات والمخاطر التي واجهته في رحلات التجارة أوضح ميرزا «تمثلت الصعوبات في تلك الفترة بعدم وجود، رصيف أو ميناء مجهز يمكن أن ترسو عليه السفينة حتى تتمكن من تنزيل حمولتها، فكنا نلجأ إلى تفريغ الحمولة عن طريق مراكب صغيرة تسمى (التشالة)، وهذه المراكب تستخدم لتفريغ البضائع الصغيرة ومتوسطة الحجم، مثل البهارات والملابس والنارجيل، أما الأخشاب فكانت تربط أسفل المحمل، وعندما يدور الهواء كنا نتحرك بالمحمل إلى أقرب نقطة ممكنة من الشاطئ، ثم نفكها في جانب المحمل فتسقط في الماء، ويتم سحبها إلى الشاطئ»، وتابع «الركاب كان يتم نقلهم بوساطة مراكب صغيرة إلى الشاطئ أو من السفينة الكبيرة، و كنت أقوم بنقل الركاب كذلك، داخل وخارج الدولة، وكان بومي «الممتاز»، بمثابة التاكسي المائي». ويتذكر ميرزا «في إحدى السنوات سافرنا (33 شخصاً) إلى زنجبار على متن بوم من نوع مشهور من السفن المستخدمة في منطقة الخليج، وكان اسمه (السالمي)، وكنا نعتمد على الريح في تسييرها، لكنها خذلتنا فاستغرقت الرحلة 72 يوماً، قطعنا فيها المسافة من زنجبار إلى المصيرة في سلطنة عمان، في حين أنها لا تستغرق في الأحوال الطبيعية 10 أيام فقط، وبالطبع كانت النتيجة أن ماء الشرب الذي نحمله معنا نفد، ولم يبق منه إلا القليل، فاضطررت «كنوخذة» يدير دفة الرحلة، إلى فرض نظام قاس وصارم للتحكم فيما بقي من مياه، وينص النظام على عدم السماح للشخص إلا بحصة واحدة من الماء في الليل فقط، يتجرعها على دفعات إلى أن يحين موعد نومه، ويبقى على هذه الحال حتى اليوم الثاني، ورغم تقيد الجميع، بمن فيهم أنا، بهذا النظام الصارم، إلا أن الماء نفد، وبقينا أياماً من دونه، حتى ألقت بنا رياح مفاجئة في منطقة تسمى (العقر) في بر الباطنة في سلطنة عمان»، ومن الحوادث التي عاشها ميرزا حادثة أليمة وقعت له في عهد المغفور له الشيخ خالد بن محمد القاسمي، فقَد فيها سفينته التي كان قد أوكل بقيادتها وهي «لنوخذة» آخر، وعند إبحاره قريباً من خليج عدن، هبت عاصفة شديدة، وهاج البحر وارتفعت الأمواج، وامتلأت السفينة بالمياه، فغرقت بكامل حمولتها البالغة 3000 رأس من الأغنام كان قد اشتراها من الصومال. يعتبر ميرزا حادثة مركبه «فتح الرحمن» من أسوأ الحوادث التي صادفها في مسيرته المهنية، وكانت رحلة ضمت على متنها 42 شخصاً متجهين إلى البصرة لإحضار شحنة من التمر، قصدنا بعدها الهند، إلا أن حدوث طوفان شديد بعد ست ساعات من تحرك البوم، حال دون ذلك، وهدد السفينة بالغرق، وأوضح «على الرغم من حمولتنا من التمر، إلا أن البوم لم يستطع الصمود كثيراً أمام الرياح الشديدة والأمواج العاتية، فغرق، فاستخدمنا قارب النجاة الذي مكثنا فيه خمسة أيام، ونجونا مصادفة عندما نقلتنا الرياح، فوصلنا إلى منطقة في إيران، وكانت المفاجأة أنه تم توقيفنا وعدم السماح لنا بالمغادرة، إلا بعد أن يتم التأكد من هوياتنا، والحصول على موافقة من شاه إيران آنذاك، وقمنا بعد ذلك ببيع سفينتنا واستئجار أخرى عدنا فيها إلى دبي».
خبرات وصفات
خلال رحلات ميرزا التجارية، التي جاب فيها البحار على مدى 30 عاماً، اكتسب خلالها، خبرات عدة، وكان الإيمان والصبر سلاحيه الوحيدين «فلولاهما ما استطعت أن أدير دفة سفني وتحقيق أهداف أسفاري التجارية، والتغلب على الصعوبات والمخاطر التي واجهتها من غرق وحرائق»، وأضاف «أجيد ثلاث لغات، هي الإنجليزية والإيرانية إضافة إلى لغة سواحل إفريقيا التي كنت أقصدها لإحضار (الجندل) الذي كان يستخدم لصناعة سقوف البيوت قديماً، ونصدر لهم في المقابل (الإسبستو) الذي كان يستخدم كذلك في بناء البيوت».