تشويش على «سيّدة اللوحات»
البحث عن سمة جامعة لليلة مهرجان دبي لمسرح الشباب الرابعة، لابد أن يقودنا إلى تعدد حالات الاستياء. وعلى الرغم من أن هذا الاستياء لايعود إلى السوية الفنية للعرض المسرحي «سيدة اللوحات»، بل من تفاصيل بدت واضحة في الاستراحة الفاصلة بين العرض والندوة التطبيقية، وتحفظات عدة من مسرحيين وإعلاميين، منهم مذيع قناة «سما دبي» اسماعيل الشيباني الذي علق على ملابس الشخصية النسائية الوحيدة في العمل، واصفاً إياه بـ«الخارج». أو من أقوال اتهمت عناصر من مسارح منافسة في التشويش والاستهزاء من العمل. وهو أمر أكده أحد بطلي العمل الفنان عبدالله سعيد قائلاً: «هناك أشخاص محسوبون على الوسط المسرحي سعوا الى التشويش على العرض».
جسدت «سيدة اللوحات» لجمعية عجمان للفنون الشعبية أحد أهم عوائق الإبداع أمام الشباب في المسرح المحلي، حسب الممثل الرئيس في العمل عبدالله سعيد، الذي قال بعد عرض المسرحية بتأثر واضح: «التشويش المتعمد في قاعة العرض هو إفراز لآفة الشللية والمجاميع المسرحية التي لا تعترف إلا بالمصالح الضيقة لأفرادها، وتسعى دائماً الى عرقلة أعمال سواها، وهو واقع يمثل معوقاً أساسياً للإبداع بالنسبة للجيل الشاب»، مشيراً إلى وجود «مروجين لأعمال بعينها في الندوات التطبيقية، في مقابل آخرين يشوهون أعمالاً جادة». وكان ملحوظاً ارتفاع وتيرة الإشارات والهتافات التي كان تصدر من مجموعات شبابية، بعضها حمل نبرات ساخرة صريحة، فيما تعالت أصوات أفراد بعد إسدال الستار بعبارات عمد أصحابها إلى جعلها مسموعة في الاتجاه نفسه، في العمل الذي شاركت فيه الممثلة اللبنانية هند باز، لتشكل مع عبدالله سعيد ثنائياً يسعى الى تجسيد مأساة إنسانية من خلال نص رومانسي يخفي تحت سطح عرضه قراءات وإحالات نفسية عميقة لعمل مسرحي سعى إلى فضح العوالم الداخلية بشكل خاص لشخصية فنان تشكيلي.
|
عبدالله سعيد وهند باز خلال العمل. تصوير: مصطفى قاسمي |
ابتدأ العرض الذي أخرجه محمد الحمادي، الذي تشارك في كتابته مع منال علي بن عمرو، بمشهد استمتاعه برسم إحدى لوحاته، وانتهى أيضاً بمشهد مماثل، ولكن بريشة مخضبة بدماء محبوبته.
50 دقيقة
«سيدة اللوحات» من أطول العروض المسرحية زمناً. 50 دقيقة غنيةً بأحداث اختلفت عن تيمة العروض المعتادة في المهرجان. هذا الثراء والتنوع تحول في بعض مفاصله إلى إشكالية إخراجية بسبب تداخل الأزمنة من دون ضوابط واضحة، وتحول المونولوج الداخلي بشكل مفاجئ إلى واقع، دون أن يستشعر المشاهد ذلك باستثناء جهود الإضاءة التي حاولت تقديم حلول زمنية مختلفة، إضافة إلى محاولة الممثلين إضفاء نبرات مختلفة في السياق النفسي للأزمنة المتداخلة، ما سبب إرباكاً ملحوظاً فاقمه وجود مستويين على خشبة المسرح، أحدهما علوي سبب إشكالية واضحة للحضور في التماهي مع تفاصيله دون أن تكون هناك مبررات درامية واضحة للاتكاء عليه.
فصحى
يحسب للعمل اختياره الفصحى بغض النظر عن مستوى إجادتها. لكنه في الوقت نفسه وجد منزلقات كثيرة أيضاً في الديكور والتعامل مع مفرداته التي كرست عزلة الممثلين عن الجمهور، وبشكل خاص المنضدة التي كانت بمثابة أداة عزل للفعل المسرحي عن قاعة العرض، لكن أداء الممثلين في معظم تفاصيل المشاهد، والتنوع والانتقال السريع في حالاتهما النفسية شكلت خيطاً جاذباً على المتابعة، وأحد بواعث الاستمرار في متابعة العمل حتى ختامه.وعلى الرغم من أن عنوان العمل «سيدة اللوحات» يحيلنا بشكل مباشر إلى تلك الزوجة التي تقف وراء النجاحات الوهمية لزوجها الفنان النرجسي الأناني، من خلال علاقاتها الاجتماعية ودفعها الآخرين الى الاهتمام به وشراء لوحاته، إلا أن العمل بالأساس يغوص في غياهب تلك الشخصية النرجسية التي تحولت الى الاختباء في الماضي، بعد أن تعرت أمام ذاتها واكتشفت ضحالتها - وهو ما مهد له السياق الدرامي بلجوء الزوجة إلى محاولة تطهيره بقيامها بغسل جسده بالكامل، وإصرارها على ان تقوم بذلك بنفسها - لكنها حتى في هذا اللجوء كانت متسقة مع تلك الدونية، من خلال إراقة دم العشيقة الأولى التي بدا مشهد مقتلها ساذجاً من حيث الحل الإخراجي المتمثل في اللجوء إلى سرداب تمت إضاءته بإضاءة حمراء، كرّس انعزال المشاهد عن الحدث.
«قيد النشر»
| ندوة الندوة التطبيقية شهدت اعتذاراً في مستهلها من مقدمها الفنان أحمد الأنصاري، لافتاً إلى أنه يقوم بهذه المهمة للمرة الأولى، قبل أن يفتح باب النقاش بشكل مباشر، منوهاً إلى ضرورة الالتزام بطرح رؤى تستفيد منها أسرة العمل، وبصفة خاصة المخرج، لكن الأنصاري في المقابل فوجئ بتلميح أحد المتداخلين لمسؤوليته أو مشاركته في الرؤية الإخراجية بسبب وجود اسمه في الورقة التعريفية عن العمل ضمن قائمة الأسماء التي وجه لها المخرج شكره، مشيراً إلى أنه شاهد أحد تمارين الإعداد للعرض، وتحدث بالفعل مع مخرجه حول بعض الملاحظات، من دون أن يعني ذلك مسؤوليته عن العمل. الالتقاطة ذاتها أمسك بها المخرج العراقي محمود أبوالعباس الذي عاب كثيراً على من يحاولون الزج بأسماء بعينها في الأعمال الشبابية، وقال: «تكرر معي الأمر في عرض (العاصفة) في ثالث أيام المهرجان للمخرج حسن يوسف، وبشكل خاص في ما يتعلق بالمشهد الأخير»، لافتاً إلى عدم الخلط بين مهمة الـ«دراماتوك»، أو منظم العمل المسرحي، والمهام الأساسية للمخرج، مطالباً الحضور بعدم السخرية من أعمال الشباب أو حتى التصفيق لها من دون أن تستحق ذلك. وقال: «ليس الخلل مردّه مشكلة تقنية، كما يتم الزعم، بل هو لجهل منك بأسس الإخراج المسرحي، لديك ممثلة ممتازة، وممثل لا غبار عليه،لكنك ضيعت نفسك في فضاء كبير خلف الطاولة، فخلقت كتلة ووضعت الممثلين خلفها». وواصل أبوالعباس طارحاً تساؤلاته الاستنكارية على المخرج «ما مبرر وضع الفرقة الموسيقية في مستوى عالٍ من المسرح؟ السرداب الداخلي ما تأويله؟ لا شيء على المسرح ينبغي أن يُستثنى من التأويل المفهوم». مشيراً إلى أن مسرح ندوة الثقافة والعلوم باتساع رقعة خشبته غير مناسب لاستضافة أعمال الشباب، قبل أن يستغرب من حادثة اعتداء أحد المخرجين المشاركين في المهرجان مع شخصية معروفة قامت بانتقاد العمل داخل الندوة التطبيقة المخصصة بالأساس لمناقشة العرض، محيلاً في السياق ذاته إلى تقبله الانتقاد من صحافي اعتاد أن يبدي آراءً نقدية سلبية في كل أعماله، هو شخصياً التي يخرجها، مشيراً إلى أنه يتحدث للمرة الأولى كمتداخل في ندوة تطبيقية من 13 عاماً لضرورة ارتآها في الإشارة الى اهمية تقبّل النقد. شيخة الحوسني مخرجة مسرحية «المغني» حديثة العهد باحتدام النقاش المسرحي في الندوات التطبيقية حاولت تلطيف الأجواء النقاشية، بعد مداخلة صحافية عاصفة من الزميل حسام ميرو ندد فيها بعدم استجابة إدارة المهرجان للتوصيات السنوية المتكررة، وتدني المستوى الفني للأعمال، مشدداً على سوء مستوى النطق بلغة عربية سليمة، وتركيز متداخلين على تراجع دور الصحافة في النشاط المسرحي، وفيما أشارت الحوسني إلى إعجابها بالجو العام للعمل، قال الفنان عبدالله بن لندن: «الندوات التطبيقية ليست نفاقاً أو مجاملات أو تصفية حسابات خاصة، تكلموا لتفيدوا مخرج العمل وأسرته»، قبل أن يعتذر المخرج عن الإجابة عن التساؤلات المطروحة خلافاً لتقاليد الندوات التطبيقية، وهو أيضاً ما أثار استياء حضور الندوة بشكل عام من مسرحيين وصحافيين ومهتمين بالشأن المسرحي المحلي.
|
قال بطل مسرحية «سيدة اللوحات»، الفنان عبدالله سعيد، إنه استقرأ الجو غير الصحي لمواصلة تجاربه الإخراجية، مستفيداً من تجربته العام الماضي، وأوضح لـ«الإمارات اليوم»: «كان في جعبتي مسرحية بعنوان (قيدالنشر)، لكنني تراجعت معتذراً تحسباً من موقف مشابه لما حدث أثناء العرض من فوضى واستهزاء يحدثها محسوبون على المسرح لأسباب شخصية، وهو الأمر الذي لم أسلم منه ممثلاً أو مخرجاً»، لافتاً إلى أن البعض أيضاً يقصد التشويش على عرض الحمادي بشكل خاص. واعترف سعيد بتوقعه أن تثير مشاهد بعينها لغط البعض على المسرح من جهة مشاهد تتجاوز المألوف على خشبة المسرح المحلي تجمعه بالممثلة اللبنانية هند باز، مضيفاً «رغم ذلك، كل تفاصيل المشاهد مبررة في سياقها الدرامي، حتى مشهد اغتساله في البانيو وقيامها بذاتها بهذا الفعل، لأنها كانت تريد أن تطهره من درنه وأمراضه النفسية ونرجسيته، قبل أن تقرر ما إذا كانت ستسعى الى الانعتاق من محيطه بعد زواج دام 10 سنوات». وأضاف سعيد «لم أتمكن من إخراج كامل طاقتي التمثيلية، وكذلك زميلتي هند باز، في ظل هذا الجو المشحون، فضلاً عن ازدحام الكواليس لدرجة أنني أُصبت في قدمي بعدما انطفأت الأنوار فجأة أثناء غنائي في الكواليس بصوت موظف في سياق تطور الأحداث على الخشبة، لكني اجتهدت في ألا تنعكس الإصابة على نبرة صوتي». وأكد سعيد أن موضع الطاولة بالفعل على المسرح كان إشكالية عجز مع المخرج على إيجاد حلول لها بسبب ضيق وقت البروفات، فيما أشار إلى أن معظم تفاصيل مشهد السرداب في ختام المسرحية كان مرتجلاً، فيما كان وجود السرداب بالأساس كأحد عناصر الديكور مستجداً وخلافاً لما تم التعامل معه في التمارين الأساسية للعمل.