محمود درويش.. شاعر اتكأت عليه فلسطين
تبدو فكرة «الاحتفال» بمرور عام على رحيل محمود درويش، ثقافية في ظاهرها، لكن الرجل الذي كان ضلعاً ثالثاً لخريطة بلد مكونة من ضلعين عموديين فقط، لا يمكن تناوله شاعراً وحسب، من دون أن تلقي الخريطة بظلالها على كل ما يقال، في تذكره، أو يُكتب.
|
من قصيدة «لي حكمة المحكوم بالإعدام» ليَ حكمةُ المحكوم بالإعدامِ: لا أشياءَ أملكُها لتملكني، كتبتُ وصيتي بدمي: «ثِقُوا بالماء يا سُكّان أُغنيتي!» ونِمْتُ مُضرّجاً ومتوجاً بغدي.. حلِمْتُ بأنّ قلب الأرض أكبرُ من خريطتها، وأوضحُ من مراياها ومِشْنَقتي. وهِمْتُ بغيمةٍ بيضاء تأخذني الى أعلى كأنني هُدْهُدٌ، والريحُ أجنحتي. وعند الفجر، أَيقظني نداءُ الحارس الليلي من حُلْمي ومن لغتي: ستحيا ميتةً أخرى، فعدلْ في وصيّتك الأخيرة، قد تأجل موعدُ الإعدام ثانيةً سألت: الى متى؟ قال: انتظر لتموت أكثر قلتُ: لا أشياء أملكها لتملكني كتبتُ وصيّتي بدمي: «ثِقُوا بالماء يا سُكّان أغنيتي!» وأنا، وإن كنت الأخير وأنا، وإن كُنْتُ الأخيرَ، وجدْتُ ما يكفي من الكلماتِ.. |
أحد النقاد قال يوماً «إن شعراء المقاومة كلهم اتكأوا على فلسطين، إلا درويش ففلسطين اتكأت عليه»، من هنا، من هذا الفرز الواضح بين نوعين من الشعر الذي رافق فلسطين منذ طفولتها الشقية، وحتى كهولتها المعذبة، يمكن قراءة درويش تجربة شعرية زامنت التراجيديا الفلسطينية، وتأثرت بها، وأثرت فيها، وأثرتها، من دون أن«تستغلها» وظيفةً من أجل اختراع مشروع أدبي يدفع بصاحبه الى منصات الكلام، الكلام المؤثر، الكلام الكثير الذي قيل في رثاء الشهداء ومديح شجر الزيتون ووصف قبة الصخرة الخ!
درويش غير ذلك تماماً
كونه شاعراً صاحب مشروع فكري وثقافي وجمالي، ولد في مناخ قومي ووطني يعاني من «احتلال بليغ»، لكن القضية التي وصفت دائماً بأنها الأكثر عدالة في العالم، لم تسرقه من لغته ومن دهائه الجمالي ومن انسانيته الواسعة، كذلك لم تكن فكرة فلسطين الشهيدة والفقيدة تغريه أن يظل سجيناً في بكائياتها، وأن يظل يندب أرتال الموتى الذين يتراكمون على أعتاب البيوت والبلدات كل يوم!
كان هدفه مغايراً ، حمل فلسطينه معه، وذهب الى العالم: هذه جثتي الشخصية، وهذا أنا، وهؤلاء الأشقياء أخوتي الذين خلقوا «من جزمةٍ أفقا»!
لم يركن للغة الخطاب السبعيني، الحماسي المدجج بالوعيد وبالشعار وبالهتاف، ولم تتوقف تجربته كما كثيرين من «شعراء» المقاومة عند العزف على أوتار الشارع، وخطاب المظاهرات الشعبية، وقد فهم منذ البداية وظيفته مثقفاً، حتى وإن علا صوت الرصاص حوله، ليس مقبولاً منه الانسياق لخطاب شعبوي مندفع بقدر ما هو مكلف بتنقية هذا الخطاب، وتحريره، والارتقاء به، وعقلنته، ثم.. تعليم الناس الشعر، لا أن يكتب للناس ما يرغبون بسماعه !
مشكلة الشعراء الآخرين الذين توقفوا عند منتصف السبعينات شعرياً، أن فلسطين لم تتوقف ، وأن فلسطين ـ أيضاً ـ لا تنظر خلفها، وكان محمود درويش الوحيد صاحب الساقين النشيطتين الذي استطاع أن يواكب مشيتها، وأن يكون بقامته ندّاً «لظلّها العالي»، وأن يحملها «في البال أغنية، ووشماً» وقدراً لم يحاول الفكاك منه.. إلا لأجل أن يراه أوضح!
درويش قال للعالم دائماً: إننا لا نحب دور الضحية، ولا نستمتع به، وأن كل كفاحنا الطويل هو لأجل أن نصير شعباً عادياً !
وقال أكثر من مرة إنه يحلم باليوم الذي نصير فيه مواطنين عاديين في بلد عادي له رئيس عادي وحكومة عادية نشتمها، وأنه يحلم بيوم يستطيع فيه أن يسبّ فلسطين!
كان محمود درويش أكبر قامة من كل اختلاف، أو خلاف، مع أحد أو تيار أو حزب فلسطيني، على الرغم من كثرتها، وعلى الرغم من كثرة أسباب الخلاف، ورغم أن الفصائل اختلفت على كل شيء، كل شيء، لكنها اتفقت كلها، على محمود درويش!
القمع الإنساني
أخلص درويش لقضيته وغاص في مأساة شعبه مدركاً جذرها القومي وامتدادها الإنساني، مؤكداً بإبداعه أن المأساة الفلسطينية مأساة القمع اللاإنساني الذي يمارسه «مغتصبون تمتد أذرعهم الأخطبوطية إلى كل مكان على ظهر الكرة الأرضية ولهم أشباههم من زبانية الظلم والقهر والاستغلال الذين يشوهون الحياة لأنهم أعداؤها». بقدر ما كان شعر محمود درويش يؤكد أن الأصولي الصهيوني القاتل لا يختلف عن غيره من الأصوليين مهما اختلفت أسماؤهم ومسمياتهم ودياناتهم، كان يدرك أن العدل مطلبه في كل مكان على ظهر الأرض، وأن الانحياز إلى المقموعين المظلومين في قاراتها وأقطارها هو انحياز إلى معذبي الأرض في وطنه الذي لايزال سجين براثن وحشية تنهش الضحايا على امتداد الكرة الأرضية التي يزداد معذبوها بؤساً وفقراً وإحباطاً، ولذلك كتب عن إمبراطور العالم الجديد وعن الزمان الذي يغير وجهه كالأرض التي غدت أكثر وحشية، ولذلك ترجم العالم شعره إلى لغات عدة ووجد قراء له ومستمعين في أقطار لم يَعُقْ شعره في الوصول إليها اختلاف اللغة وتباعد المكان، فأصبحت قضيته قضية مقاومة القمع في كل مكان.
وقد وصل محمود درويش إلى هذه المكانة لأنه تميز وإبداعه بصفات لا تتحقق إلا في من كان مثله عطاء وإنجازاً وتأثيراً، ومن هذه الصفات كما قال الناقد جابر عصفور «الثبات على المبدأ خصوصاً بالقياس إلى الكثيرين الذين تخلوا عن قضاياهم التي اقترنوا بها وتراجعوا عنها طمعاً في مغانم رخيصة أو ادعاء للتغير بتغير الحياة التي لا تعنيقط تغير المواقف الجذرية التي يرخص من أجلها الوجود، إضافة إلى وعيه الخاص واليقظ بأهمية الاستيعاب النقدي الدائم لكل متغيرات العصر، خصوصاً المتغيرات الإبداعية سواء في علاقة الشعر بالعالم أو علاقته بغيره من الفنون أو علاقته بالشاعر نفسه فضلاً عن علاقته بالقراء ووسائط التوصيل».
أدرك الراحل بوعيه الخاص انه ليس شاعر فلسطين فقط، بل هو واحد من شعراء الإنسانية كلها يتبادل وإياهم معرفة أسرار الإبداع ولا يكتمل إلا بالحوار معهم والإفادة منهم، التي هي إضافة إليهم تحقيق لأصالته النوعية وتأكيد لخصوصية تجربته التي هي إسهام متفرد أصيل في التنوع الإبداعي الخلاق للبشرية كلها
وكان درويش، شأن المبدعين الاستثنائيين، يدرك أن ثمرة هذه التضحية هي الانضمام إلى قافلة المبدعين العظام الذين هزموا الموت حين أعطوه الجسد الفاني واستبقوا الروح الإبداعية التي جعلتهم نورانيين أقوى من الزمن في حضرة الوجود الخالد للفن.
من سيرته
يعتبر محمود درويش أحد أهم الشعراء الفلسطينيين المعاصرين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والوطن المسلوب. ويعتبر من أبرز المساهمين في تطوير الشعر العربي الحديث وإدخال الرمزية فيه. بدأ حياته، وهو الابن الثاني لعائلة تتكون من خمسة أبناء وثلاث بنات، ولد عام 1942 في قرية البروة وفي عام 1948 لجأ إلى لبنان وهو في السابعة من عمره وبقي هناك عاماً واحداً، عاد بعدها متسللاً إلى فلسطين وبقي في قرية دير الأسد شمال بلدة مجد كروم في الجليل لفترة قصيرة، استقر بعدها في قرية الجديدة شمال غرب قريته الأم البروة.
أكمل تعليمه الإبتدائي بعد عودته من لبنان في مدرسة دير الأسد وهي قرية عربية فلسطينية تقع في الجليل الأعلى متخفياً، فقد كان يخشى أن يتعرض للنفي من جديد إذا كشف اليهود أمر تسلله، وعاش تلك الفترة محروماً من الجنسية، أما تعليمه الثانوي فتلقاه في قرية كفر ياسيف.
اعتقل الراحل أكثر من مرّة منذ العام 1961 بتهم تتعلق بأقواله ونشاطاته السياسية، في عام 1972 نزح إلى مصر وانتقل بعدها إلى لبنان حيث عمل في مؤسسات النشر والدراسات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم استقال من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجاً على اتفاق أوسلو. وأقام في باريس قبل عودته إلى وطنه، حيث إنه دخل إلى فلسطين بتصريح لزيارة أمه، وفي فترة وجوده هناك قدم بعض أعضاء الكنيست الإسرائيلي العرب واليهود اقتراحاً بالسماح له بالبقاء في وطنه، وقد سُمح له بذلك.
|
|
«تعاليم حورية»
فكّرت يومًا بالرحيل، فحطّ حسّونٌ على يدها ونام. وكان يكفي أن أداعب غصن داليةٍ على عجلٍ.. لتدرك أنّ كأس نبيذي امتلأت. ويكفي أن أنام مبكّرًا لترى منامي واضحًا، فتطيل ليلتها لتحرسه.. ويكفي أن تجيء رسالةٌ منّي لتعرف أنّ عنواني تغيّر، فوق قارعة السجون، وأنّ أيّامي تحوّم حولها.. وحيالها أمّي تعدّ أصابعي العشرين عن بعدٍ تمشّطني بخصلة شعرها الذهبيّ. تبحث في ثيابي الداخليّة عن نساءٍ أجنبيّاتٍ، وترفو جوربي المقطوع. لم أكبر على يدها كما شئنا: أنا وهي، افترقنا عند منحدر الرّخام.. ولوّحت سحبٌ لنا، ولماعزٍ يرث المكان. وأنشأ المنفى لنا لغتين: دارجةً.. ليفهمها الحمام ويحفظ الذكرى، وفصحى.. كي أفسّر للظلال ظلالها! ما زلت حيّاً في خضمّك. لم تقولي ما تقول الأمّ للولد المريض. مرضت من قمر النحاس على خيام البدو. هل تتذكرين طريق هجرتنا إلى لبنان، حيث نسيتني ونسيت كيس الخبز [كان الخبز قمحيّاً]. ولم أصرخ لئلاّ أوقظ الحرّاس. حطّتني على كتفيك رائحة الندى. يا ظبيةً فقدت هناك كناسها وغزالها.. لا وقت حولك للكلام العاطفيّ. عجنت بالحبق الظهيرة كلّها. وخبزت للسمّاق عرف الديك. أعرف ما يخرّب قلبك المثقوب بالطاووس، منذ طردت ثانيةً من الفردوس. عالمنا تغيّر كلّه، فتغيّرت أصواتنا. حتّى التحيّة بيننا وقعت كزرّ الثوب فوق الرمل، لم تسمع صدًى. قولي: صباح الخير! قولي أيّ شيء لي لتمنحني الحياة دلالها. هي أخت هاجر. أختها من أمّها. تبكي مع النايات موتَى لم يموتوا. لا مقابر حول خيمتها لتعرف كيف تنفتح السماء، ولا ترى الصحراء خلف أصابعي لترى حديقتها على وجه السراب، فيركض الزّمن القديم بها إلى عبثٍ ضروري: أبوها طار مثل الشركسيّ على حصان العرس. أمّا أمّها فلقد أعدّت، دون أن تبكي، لزوجة زوجها حنّاءها، وتفحّصت خلخالها.. لا نلتقي إلاّ وداعًا عند مفترق الحديث. تقول لي مثلاً: تزوّج أيّة امرأة من الغرباء، أجمل من بنات الحيّ. لكن، لا تصدّق أيّة امرأة سواي. ولا تصدّق ذكرياتك دائمًا. لا تحترق لتضيء أمّك، تلك مهنتها الجميلة. لا تحنّ إلى مواعيد الندى. كن واقعيا كالسماء. ولا تحنّ إلى عباءة جدّك السوداء، أو رشوات جدّتك الكثيرة، وانطلق كالمهر في الدنيا. وكن من أنت حيث تكون. واحمل عبء قلبك وحده.. وارجع إذا اتّسعت بلادك للبلاد وغيّرت أحوالها.. أمّي تضيء نجوم كنعان الأخيرة، حول مرآتي، وترمي، في قصيدتي الأخيرة، شالها! |