الحضور الإماراتي في «آرت دبي».. بصمات إبداعية متشبعة بالبيئة والإرث المحلي
شكّلت عناصر البيئة المحلية المنطلق الأساسي للعديد من المشاركات الإماراتية في النسخة 20 من «آرت دبي»، والتي انطلقت، أول من أمس، في مدينة جميرا، سواء على صعيد المواد أو حتى الثيمات المطروحة. واتسمت الأعمال بتنوعها البصري القائم على الوسائط المتنوعة، والتي تنطلق من اللون وتتجه إلى أكثر المواد صلابة وتطوعها وتتعامل معها بمرونة مطلقة. أما الثيمات التي حضرت، فكان من بينها ما يرصد جوانب من البيئة الصحراوية أو الحضرية، فضلاً عن التقاليد والإرث المحلي الذي كان ركيزة لأشكال متجددة من الفن المعاصر.
وحملت الألوان الإماراتية في المعرض بصمة خاصة، وجمعت التجارب بين المخضرمين وجيل الشباب، فكان الحضور الإماراتي قائماً على حوار الأجيال في الفن.
داخل الذات الإنسانية
الفنانة الإماراتية نجاة مكي شاركت بمجموعة من لوحاتها الحديثة، ولفتت إلى إنها حرصت على أن تشارك بلوحات خاصة للمعرض، لأنه بات منصة عالمية تستقطب جميع أنواع الفنون، وهذا يمنح الفنان الدافع لكيفية تقديم عمله عاماً بعد الآخر. ووصفت أعمالها بكونها رحلة داخل الذات الإنسانية، وبكونها مبنية على لمسات خاصة للتواصل مع هذا الشعور، مشيرة إلى أن الدوائر التي توجد في الأعمال ترمز إلى الزمن، فيما التقسيمات اللونية عبارة عن وقفات ترمز إلى المحطات والتجارب التي تمثل بمجملها خبرة الحياة. أما اللوحات صغيرة الأحجام، فنوهت بأنها حرصت فيها على تجريد الطبيعة لإبراز خروج النبات من الأرض، موضحة أن الفترة الأخيرة حملت الكثير من المخاوف، ولكن التجربة أثبتت أن الأرض والقيادة كانت السند، وهذا ما جعلها تجسد النبات المزهر بهذه القوة وبالألوان الوردية.
محاكاة عملية النسج
ومن الأسلاك المتشابكة والتي تجسدت في مجسم وعمل لوني، قدمت الفنانة علياء لوتاه تجربتها الخاصة، مشيرة إلى أنها تنسج أسلاك الألمنيوم المستوحاة من الرسومات التجريدية التي تبدو محاكية لعملية النسج، موضحة أن الأخيرة تمثل عملية يبرز فيها التكرار في العمل، وهي تستدعي التأمل، وكذلك ترتيب الأفكار بشكل تجريدي. ولفتت لوتاه إلى أنها عملت على توظيف الأسلاك في مجسمات للمرة الأولى، مشددة على أنها أيضاً ارتأت تقديم الأزرق في أعمالها على الرغم من تخوفها من الألوان. وأوضحت أن كل فنان يكون لديه نوع من التحديات أو الصعوبات في عمله، وأن علاقتها مع اللون تحمل هذه الصعوبات وقررت التعامل مع هذا الخوف وكسره وتقديم تجارب جديدة.
رمل من بحر دبي
وشارك الفنان الإماراتي رامي فاروق بمعرض فردي قدم فيه 12 عملاً، ولفت إلى أن الأعمال التي استغرق تحضيرها تسعة شهور، متعددة الوسائط، موضحاً أنه أراد أن يضيف شيئاً من السينوغرافيا للمعرض، فقرر إضافة رمل من بحر دبي. واعتبر فاروق أن البيئة المحلية تعني له كثيراً كفنان، مشدداً على أن الفترة الأخيرة أسهمت في التقريب بين المواطن والأرض، وشعر بالحرص على حمايتها وتقديمها، فالأزمات تحث على رؤية الإنسان لبيئته والأمكنة بطريقة مختلفة. وحول التقنيات التي استخدمها فاروق، لاسيما في اللوحات التي تبدو ضبابية الألوان، أشار إلى أنه عمل على طبقات وتأثيرات متباينة، مع استخدام الكثير من الأدوات، معتبراً أن الفن مساحة مميزة للتجريب بحرية ودون قيود.
دمج تكوينات مختلفة
أما الفنانة وفاء الفلاحي فتعاملت مع اللوحة كما لو أنها فضاء متسع لتوجد فيها الحياة الطبيعية، لافتة إلى أن لوحاتها تجمع بين الواقع والخيال وعالم الهلوسة، فيما التقنيات التي تعتمد عليها تقوم على دمج الوسائط المتعددة بدءاً من اللون، وصولاً إلى الورق المعجون والطين وغيرها، وهي تساعد على تصوير تحول الذاكرة عبر الحياة والموت والولادة الجديدة وعالم الأحلام. ولفتت إلى أنها تركز على الطيور لأنها من أكثر الكائنات رمزية في التاريخ، فالغراب يحمل إشارة لسوء الحظ والحمامة تدل على الحب، ولهذا حرصت على تصويرها والاعتماد على البيئة والطبيعة وكيف يتفاعل ذلك مع واقعنا. ونوهت الفلاحي بأن التقنية التي تعتمدها تجعل العمل يبدو ثلاثي الأبعاد، لأنها تحرص على الطبقات ودمج التكوينات المختلفة لجعلها تبدو واقعة بين التجريد والغموض. وعبرت عن سعادتها للمشاركة في المعرض للمرة الأولى، لاسيما أنه تم ابتكار سوق دبي، وقد وضعت بعض القطع المقبولة الأسعار والتي يمكن شراؤها من المتجر.
توثيق للصحراء
ومن الألمنيوم صاغت الفنانة صفية العوضي أشكال الصحراء، مشيرة إلى أن أعمالها تمثل توثيقاً للصحراء، لاسيما أن الأخيرة هي في حالة تشكل مستمر، موضحة أنها لا تسعى إلى رسم خطوطها بشكل مباشر، بل تستوحي من التغييرات التي تحدث عبر الوقت. ونوهت بأنها رصدت صور الأقمار الاصطناعية للصحراء، وكانت تبرز كيف تغيرت الصحراء والنباتات فيها وحتى تعامل الكائنات في المحميات مع التبدل في المناخ ولاسيما العواصف، موضحة أن الصحراء لا تتحرك بنفسها فقط بل أيضاً هناك دور للإنسان في التغيير. ورأت العوضي أن الصحراء ترمز إلى الثبات والقوة والصبر والصمود، وهذا ما حرصت على أن ينعكس في أعمالها من خلال الحركة، مبينة حرصها على اختيار المادة المعدنية، لأنها من المواد القوية والمرنة والتي تتحدى الزمن، ولكن مع القص والتطويع، باتت مميزة في كيفية نقلها للصحراء.
حين يصبح المألوف غير مألوف
كريمة الشوملي.
شاركت ثلاث فنانات إماراتيات وهن كريمة الشوملي، وروضة الكتبي، وسارة أهلي، بمعرض «حين يصبح المألوف غير مألوف»، الذي نُظم بالتعاون مع وزارة الثقافة. وعملت الفنانة كريمة الشوملي على تحويل الأقمشة التراثية إلى مجسمات من الألمنيوم، وأشارت إلى أنها حرصت على أن تستخدم هذه المادة لمنح الفكرة الثقل المعنوي والمادي، للإشارة إلى أهمية الحفاظ على هذه الأقمشة. ورأت أن التحدي الذي يحمله العمل الفني يكمن في البحث ومحاولة تقديم رسالة فنية من خلال العمل والمواد. وشددت على أنها تحرص كثيراً على تقديم التراث في الفن، لاسيما أنها تميل إلى الإبحار في الموروث الغني من أجل إبرازه بالشكل الذي يليق بالثقافة والتراث، وبتنوع غني لا يوجِد حالة ملل عند المتلقي.