ابن بيّه يستعرض مسيرة منتدى أبوظبي للسلم بمعرض الرباط الدولي للكتاب
أكد رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس منتدى أبوظبي للسلم العلامة الشيخ عبدالله بن بيّه، أن معرض الرباط الدولي للكتاب يمثل حدثا مهما تلتقي فيه الكلمة بالمسؤولية، وتنهض فيه الثقافة برسالتها الفضلى في تنوير العقول وتزكية النفوس، مشيرًا إلى أن الكتاب يظل من أهم جسور بناء الوعي، وتصحيح المفاهيم، وترسيخ قيم السلم والتعارف بين الشعوب.
واستعرض بن بيّه، في محاضرة علمية ضمن فعاليات الدورة الحادية والثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، تحت عنوان "عقدٌ من صناعة السلم: من أبوظبي إلى العالم"، مسيرة منتدى أبوظبي للسلم خلال عقده الأول.
وأوضح أن المنتدى سعى إلى نقل دعوة السلم من النداء إلى البناء، ومن المعنى إلى الأثر، ومن الفكرة إلى المشروع المستدام.
وقال إن السلم ليس موقفًا أخلاقيًا كريمًا فحسب، بل صناعة تحتاج إلى رؤية ترعاها، وعلم يؤصّلها، ووثائق تحفظ معانيها، ومؤسسات تحملها، وشراكات تنشرها، ومحتوى معرفي يصل بها إلى الأجيال.
وشدد على أن ما شهده العالم من أزمات ونزاعات يؤكد أهمية الرسالة التي نهض بها منتدى أبوظبي للسلم منذ تأسيسه، موضحًا أن غياب الاستقرار يخلّف كلفة باهظة على الأرواح والأوطان وصورة الدين، حين تُنتزع نصوصه من مقاصدها وتُستعمل في غير مواضعها وما جاءت له من هداية وإصلاح.
ودعا العلامة بن بيّه، إلى تحويل تجارب الماضي والحاضر إلى طاقة لبناء المستقبل، وجعل الذاكرة معينًا للحكمة لا وقودًا للخصومة.
وتناول الأسس الشرعية والفكرية لفقه السلم، مؤكدًا أن السلم في الرؤية الإسلامية هو إصلاح بين الناس، وتعظيم لحرمات الله، وصيانة للنفوس، ووعاء لإمكان العدل والحقوق، وأوضح أن فقه السلم فقهٌ في النصوص والمقاصد والمآلات، يقدّم حفظ الأرواح وصيانة الحرمات ودرء المفاسد العظمى، ويجعل المصالحة طريقًا رشيدًا لإصلاح المظالم وحماية المجتمعات من الفتن والتمزق.
واستحضر محطات المنتدى الكبرى، وفي مقدمتها إعلان مراكش لعام 2016، الذي استلهم صحيفة المدينة المنورة بوصفها نموذجًا مبكرًا لعقد اجتماعي راشد يقرّ بالتنوع ويؤسس للمواطنة الجامعة، وميثاق حلف الفضول الجديد لعام 2019، الذي أعاد إحياء معنى تجربة عربية زكّاها النبي صلى الله عليه وسلم، قائمة على نصرة المظلوم وإعلاء الفضائل، ثم إعلان أبوظبي للمواطنة الشاملة لعام 2021، الذي أكد مفهوم المواطنة القائمة على المساواة والكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل، والنظر إلى التنوع بوصفه مصدرًا للإثراء لا للصراع.
وأشار بن بيّه، إلى مشروع موسوعة محمد بن زايد للسلم في الإسلام، التي يتوقع أن ترى النور قريبًا، بوصفها مشروعًا أكاديميًا يروم تقديم رؤية الإسلام للسلم، وتحرير المفاهيم التي حُرفت عن مقاصدها، مؤكدًا أن تصحيح المفاهيم عملٌ علمي له أثره في صيانة الدماء وحماية الوعي.
وثمّن الرؤية التي أرساها القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حين جعل الاتحاد بساطًا للتنمية، والأخوة سبيلًا للاستقرار، والإنسان غاية لكل سياسة، مؤكدا تواصل هذه الرؤية بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في نهج يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين السلم والعدل، وبين حماية القيم وبناء المستقبل، مؤكدًا أن الإمارات أقامت نموذجًا متميزا قائما على الاعتدال والتسامح والمواطنة الجامعة.
وأشاد بن بيّه بعمق الروابط الأخوية بين دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة المغربية، وبما يمثله المغرب من أرض علم وروابط روحية عريقة، مؤكدًا أن الحضور في معرض الرباط الدولي للكتاب يجدد الإيمان بدور الكلمة في بناء الجسور، وتعزيز الحكمة، وفتح آفاق أرحب أمام السلم والعيش الكريم.
واختتم عبدالله بن بيّه محاضرته بالتأكيد على أن السلم ليس نهاية الطريق، بل هو الطريق نفسه، وأن مشروع السلم مسؤولية لا تنقضي ما دامت المجتمعات بحاجة إلى ما يحفظ تماسكها، ويصون كرامة الإنسان فيها، ويهديها إلى أفق أرحب من الأمن والسكينة والعيش الكريم.