«الإصدارات الوطنية» يحيي صفحات وموارد معرفية طواها الزمن
في خطوة مهمة تهدف إلى حفظ الذاكرة الثقافية الوطنية وإتاحتها على نطاق واسع، وبالتزامن مع اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، نظمت مكتبة محمد بن راشد لقاء صحافياً، بحضور رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، محمد أحمد المر، للإعلان عن توقيع اتفاقية تعاون مشتركة مع وزارة الثقافة والأرشيف والمكتبة الوطنية ومكتبة محمد بن راشد، لإعادة نَسْخ الإصدارات الوطنية القديمة.
توظيف الذاكرة
وأكد محمد المر، في كلمة افتتاحية قدمها خلال المؤتمر، أن مبادرة إحياء الإصدارات الوطنية تمثّل خطوة مهمة ضمن رؤية أشمل لإعادة توظيف الذاكرة الثقافية للدولة، وتحويلها إلى مورد معرفي حيّ يسهم في دعم البحث العلمي، وتعزيز الإنتاج الفكري، وربط الأجيال الجديدة بجذورها الثقافية والفكرية في سياق متجدد ومؤثر.
وأضاف المر: «إعادة إحياء الإصدارات الوطنية يُعد استثماراً مباشراً في الوعي الجمعي، وفي توثيق مسيرة الفكر والثقافة في الدولة، بما تحمله هذه الإصدارات من تجارب ورؤى شكّلت ملامح التطور الثقافي والمعرفي، وأسهمت في بناء سردية وطنية متماسكة تعكس مسيرة الاتحاد وإنجازاته»، واعتبر أن هذا المشروع يمثل جزءاً من التزام المكتبة الاستراتيجي ببناء منظومة معرفية مستدامة، يكون فيها الكتاب الوطني ركيزة أساسية في تشكيل الوعي، ومصدراً لإلهام الابتكار والتفكير النقدي، وهو ما يتكامل مع إطلاق الذراع المؤسسية للنشر والترجمة، الذي يمثل امتداداً عملياً لهذا التوجه نحو تعزيز حضور المعرفة الوطنية عالمياً.
صون الإرث الثقافي
وأكد وكيل وزارة الثقافة، مبارك الناخي، أن هذه الاتفاقية تمثل محطة مهمة في مسار صون الإرث الثقافي، وتعكس التزام المؤسسات الوطنية بالعمل المشترك لحفظ الذاكرة والمنجز الفكري عبر العقود، مشيراً إلى أن إحياء الإصدارات الوطنية القديمة يسهم في تعميق الوعي بتاريخنا المعرفي، وإعادة تقديمه للأجيال القادمة، ولفت إلى أنه من خلال هذه الشراكة بين وزارة الثقافة ومكتبة محمد بن راشد والأرشيف الوطني، يتم التأسيس لمنظومة متكاملة تعيد إحياء الإرث المعرفي للدولة، وتحميه من الاندثار، وتحوله إلى مورد معرفي مستدام يدعم الصناعات الثقافية والإبداعية، ويعزز حضور الدولة على خارطة الإنتاج الثقافي إقليمياً وعالمياً، وبما ينسجم مع رؤية «نحن الإمارات 2031» الرامية إلى الاستثمار في الثقافة والمعرفة، بوصفهما ركيزتين أساسيتين للتنمية المستدامة.
وفي سياق متصل، أكد مدير عام الأرشيف والمكتبة الوطنية، الدكتور عبدالله ماجد آل علي، أهمية إحياء الإصدارات الوطنية في إثراء مجتمعات المعرفة وتمكينها، وأن إعادة الصفحات التي طواها الزمن إلى دائرة الضوء ليست مجرد عمل توثيقي، بل هي مسؤولية وطنية نبيلة، إذ تفتح للأجيال نافذة تُطلّ منها على أفكار الآباء والأجداد، وتتأمل ثقافتهم الأصيلة، وتستحضر ملامح الحياة التي عاشوها بين رمال الصحراء وساحل البحر، مُتحدِّين قسوة الظروف، ومتطلعين بإرادة صلبة وأمل كبير إلى المستقبل، وأضاف: «تعقد مكتبتنا الوطنية آمالاً كبيرة على هذا المشروع وأمثاله، لما له من دور في إثراء مجموعاتها، وتعزيز منظومة الإيداع القانوني، والفهرسة العلمية، والحفظ طويل الأمد، بما يضمن استدامة الوصول إلى المعرفة وصونها للأجيال القادمة»، مشيراً إلى أن ما سيسفر عنه هذا المشروع سيكون له أثر بارز في رسم صورة متكاملة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وتجربتها الوحدوية الرائدة، وتاريخها وتراثها العريقين، واعتبر المشروع توثيقاً للذاكرة، وزاداً ثقافياً للحاضر ودعامة لمسيرة الدولة في ظل القيادة الرشيدة نحو مستقبل أكثر إشراقاً وازدهاراً.
كتب حكومية
وأكد عضو مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، الدكتور محمد سالم المزروعي، لـ«الإمارات اليوم»، أنه تم التركيز على الكتب الحكومية، مع النزوع إلى اختيار الإصدارات النادرة غير الموجودة في الأسواق، من أجل إعادة إحياء الإصدارات التي فُقدت أو أنها على مشارف الفقد، موضحاً أن المبادرة ستحافظ على الكتب المهددة بالفقد، كما أنها ستفتح المجال للبحث، لأنها تؤرخ لمرحلة تاريخية مهمة، وتُعتبر من أهم الوثائق التي تُعنى بهذه المرحلة، واعتبر أن التعامل مع كتب حكومية أتى بهدف تفادي مسألة الملكية الفكرية، مشيراً إلى أن التحدي الأبرز هو الحصول على الكتب، ولهذا فإن الجهات الحكومية المشاركة تمتلك العديد من الكتب وهناك تطلع لمشاركة المزيد من المؤسسات والأفراد في المرحلة القادمة.
ذاكرة ثقافية
أكدت أسماء الحمادي، من وزارة الثقافة، أن المعايير التي تحكم اختيار كتب الدفعة الأولى من المشروع، ستتوجه إلى اختيار الكتب التي تم إصدارها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، فضلاً عن اختيار الكتب النادرة التي باتت تَقِلُّ في المكتبات ويراد للجيل الجديد الاطلاع عليها، وهي مُحملة بذاكرة ثقافية عن الوطن، وعن القادة المؤسسين، وكذلك المعلومات التاريخية عن دولة الإمارات، ولفتت إلى أنه في هذه المرحلة قد لا يواجه المشروع تحديات لأن الكتب مملوكة من قبل مؤسسات، ولكن مع التوجه إلى كتب الأفراد قد يواجه المشروع بعض التحديات المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية، وتتم دراسة الحلول لهذا التحدي.
قيمة تاريخية
تركّز الاتفاقية على إعادة نَسْخ وطباعة الإصدارات الوطنية ذات القيمة التاريخية والمعرفية، وضمان حمايتها من الاندثار، إلى جانب إبراز دورها في ترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز حضور اللغة العربية بوصفها حاضنة للمعرفة والفكر، كما تهدف إلى توسيع نطاق التعاون المؤسسي بين الجهات الثقافية الوطنية، بما يدعم توجهات حكومة الإمارات في ترسيخ ثقافة القراءة وتعزيز الإنتاج المعرفي، وبموجب الاتفاقية تتولى الجهات المعنية حصر الإصدارات الوطنية القديمة وإعداد قوائم أولية تتضمن بيانات تفصيلية لكل إصدار، تشمل العنوان والمؤلف وتاريخ النشر، إضافة إلى توفير نُسخ مطبوعة من هذه الإصدارات لمراجعتها وتقييمها بشكل مشترك، تمهيداً لإعادة نَسْخها وإتاحتها للجمهور والباحثين، وتنسجم هذه الخطوة مع الاستراتيجية الوطنية للقراءة، ورؤية الإمارات 2031، التي تؤكد أهمية الاستثمار في الثقافة والمعرفة بوصفهما ركيزتين للتنمية المستدامة، كما تعكس التزام المؤسسات الثقافية الوطنية بدورها في بناء مجتمع قارئ.