«تخيّل» و«نصف ليلى».. وجهان لهموم الإنسان في أيام الشارقة المسرحية

عملان ينبضان بالهموم الإنسانية والأسئلة الوجودية، قُدِّما في ثاني أيام عروض الدورة الـ35 من «أيام الشارقة المسرحية» في قصر الثقافة بالشارقة، وينغمس العملان «تخيّل» لجمعية أبوظبي للفنون الشعبية والمسرح، و«نصف ليلى»، للكاتب أحمد الماجد، لمسرح خورفكان للفنون، في الدواخل النفسية، فيذهب العمل الأول إلى فضاء يكشف تشوه العالم وانعكاساته على الواقع، في حين يميل الثاني إلى رصد مواجهة الإنسان لذاته وذاكرته في لحظات العمر الأخيرة. وبين العبث والوجود يطرح العملان أسئلة تتجاوز المكان والزمان، ليقدما تجربة مسرحية تجعل الفكر والوجدان في صدارة المشهد.

وعن الأبعاد الإنسانية الموجودة في العملين اللذين عُرضا للكاتب أحمد الماجد، قال الماجد لـ«الإمارات اليوم»: «التجربتان مختلفتان تماماً، غير أن كلتيهما تحملان بعداً فكرياً، وهمّاً إنسانياً، في عالم لا يتوقف عن الدوران، والنصّان لا يرتبطان ببيئة معينة أو مكان محدد، فدائماً أذهب في نصوصي نحو اليومي والإنساني القابل للتنفيذ في أي بقعة من العالم، وهذا ما جعل عدداً من النصوص التي كتبتها قبل 20 سنة قابلاً للتنفيذ الآن، فنصوصي تحمل بعداً رمزياً أو تجريدياً، وهي أفكار تمشي على المسرح».

ولفت الماجد لسعيه الدائم إلى تجنب التركيز على الحدث، ومعالجة آثاره على الشخصية، فيقف على عتبة التقاطع بين ما هو نفسي وأخلاقي، مختصراً ذلك بما قاله أحد النقاد عن نصوصه المسرحية: «إنه ليس مسرح حكاية بقدر ما هو مسرح سؤال».

وحول عمله مع المخرجة إلهام محمد، أشار إلى أن مسرحية «نصف ليلى» اقترب فيها النص من المسرح الوجودي، إذ ناقش صراع الإنسان من الداخل، عبر شخصيتَي امرأتين طاعنتين في السن، تنتظران خاتمة أيامهما بتصالح مع الذات، رغم ما شاب حياتهما من منغصات، تتذكرانها في لحظة خلاصهما الأخير، وأشار إلى أن العمل احتوى على تصاعد نفسي أكثر من كونه تصاعداً حدثياً، والنصف المقصود في هذا العرض، هو نصف الحياة التي يعيشها أحدنا، موضحاً أن النص هادئ المظهر، عنيف من الداخل، عمل فيه على الجرح لا الحدث، على الوعي لا الصراع التقليدي، وعلى الغياب بوصفه شكلاً من أشكال الحضور، معتبراً أن العرض نقل مخرجته إلهام محمد من مرحلة الهواية إلى مرحلة الاحتراف. في المقابل أكد نجاح مرتضى جمعة في «تخيل» بالاشتغال على مدرسة العبث، إذ وظف المشاهد المتقطعة واللوحات في خدمة العرض، معتبراً أنه وُفق في ذلك، وأشار إلى أن التشوهات الظاهرية في العمل تعكس القبح الداخلي، فالصراع الداخلي في هذا العرض انتقل إلى الخارج، مشيراً إلى أن العالم، من وجهة نظره، فقد ملامحه الإنسانية، وبات الناس نُسخاً مشوهة من بعضهم بعضاً، في ظل انهيار القيم والمبادئ الأخلاقية، وشدد على أن السينوغرافيا في كلا العملين تمكنت من تفسير النص، من خلال فضاءات مغلقة، تعكس الحصار النفسي للشخصيات، وهذه النصوص يفضلها المخرجون، كونها قابلة لتفسير رؤاهم الإخراجية.

من جهتها، عبّرت المخرجة إلهام محمد التي عملت على «نصف ليلى» عن رؤيتها الإخراجية، قائلة: «يتناول العمل الإنسان من خلال الشخصيتين الطاعنتين في السن، وكيف كانت أُولاهما تعيش حالة من جلد الذات، واستحضار الماضي، والأخرى كأنها القرين، وقد كانت تروي حكايتها، منتظرة الموت»، وأضافت: «عملت بشكل أساسي على الفكرة الخاصة بالعمل، من أجل منحها الحياة، لأن المسرح حي، وقد وضعت صيغة الحنين بأكثر من شكل ومنها الأغنيات القديمة، كأغنيات عبدالحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب وماجدة الرومي، للتعبير عن الحنين للماضي، للأب، والصديق والحبيب الذي تنتظره، والأخير الذي قد يتساءل الجمهور حول حقيقة وجوده»، وأشارت محمد إلى أنها عملت على الفضاء المسرحي لجعله يبدو كما لو أنه جدار، حتى الكراسي والسرير التي كانت تخرج من الجدران، تبدو كما لو أنها من وحي خيال الشخصية، فهذه السينوغرافيا تبرز كيف خسرت هذه المرأة كل ما كانت تملك، وكيف أن الإنسان يقوم ببناء الجدران في حياته، واعتمدت محمد على الإضاءة في هذا العمل كثيراً وكذلك الفراغ، موضحة أن الرؤية الإخراجية تكمل النص الجيد، لأن الأخير أساس العمل، وهو الذي يوجد التخاطب مع الجمهور، وشددت على أنها لا تستطيع الانفصال عن الجمهور، وتهتم بإشراكه في العمل منذ دخوله القاعة، ولهذا تحرص على ترك ستارة العمل مفتوحة، وفي بداية العمل تركت الممثلة تخاطب الجمهور مباشرة، ليصبح الأخير شريكاً في العرض، واعتبرت محمد أن المسرح يستقطب الكثير من المواهب الجديدة الشابة، مشيدة بتجربة الموسيقى في العمل، مؤكدة أن الجيل الشاب حاضر، وقادر على الإبهار، ويحول الخشبة إلى ما يشبه السينما، خصوصاً أنهم أكاديميون.

تحولات اجتماعية

أكد الكاتب أحمد الماجد أنه في ظل التحولات الاجتماعية لم يعد المسرح مجرد وسيلة ترفيه، بل مساحة للوعي وللتفاعل مع التحولات الاجتماعية، فهو يعكس القيم وقضايا الهوية والانتماء، ويحرض على التفكير، ويدفع على التغيير الإيجابي للمجتمعات، إذ إنه مُحمَّل بالأسئلة، يهز المسلّمات ويكشف التناقضات، خصوصاً بعد أن صار الإنسان أكثر عزلة في ظل التكنولوجيا، فالمسرح قادر - بإبهاره وما يطرحه من دهشة على مستوى المضمون - على أن يعيد اللقاء الحي بين البشر، ومن جهتها رأت المخرجة إلهام محمد أن المسرح مازال محافظاً على دوره في الوقت الراهن، وهو محافظ على مكانته بين مختلف الوسائل الجديدة، وقادر على جذب الجمهور.

. «تخيّل» تكشف تشوه العالم وانعكاساته على الواقع.   

الأكثر مشاركة