«المرموم» تبوح بأسرارها عبر 24 صورة توثق «حياة البرية»
في قلب محمية المرموم، يفتح الأمين العام لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، علي خليفة بن ثالث، نافذة على الحياة البرية، من خلال معرضه «المرموم: حياة البرية»، والذي يضم 24 صورة، تشكل توثيقاً بصرياً لرحلة امتدت ما يقارب ثلاث سنوات من المراقبة والصبر والاقتراب الهادئ من الطبيعة. ويسلط المعرض الذي تنظمه هيئة الثقافة والفنون في دبي، الضوء على الحيوانات في موطنها الطبيعي، ويكشف تفاصيل حياتها اليومية، من خلال أسلوب «درايف ثرو»، إذ يخوض الزوار تجربة تحاكي التجوال داخل المحمية، ويتعرفون إلى الكائنات عبر فيديوهات صُممت بالذكاء الاصطناعي.
تنوع بيئي
استهل علي خليفة بن ثالث حديثه لـ«الإمارات اليوم» عن فكرة المعرض، قائلاً: «يقدم المعرض التنوع البيئي في المحمية، وقد أمضيت ثلاث سنوات في المحمية بهدف التصوير، وخلالها التقيت بمخلوقات وكائنات لا يمكن لزوار المحمية رؤيتها ومشاهدتها، وارتأينا تقديم صور 15% مما هو موجود في المحمية، والتي تتنوع بين الطيور والزواحف والثدييات والغزلان». وأضاف: «صورت برنامج الطبيعة مع علي بن ثالث، بالتعاون مع مؤسسة دبي للإعلام، الذي قُدم بأكثر من موسم، وعلى مختلف المواسم رأيت التنوع الموجود في المحمية ووثقته، وهذا التنوع هو نتيجة الجهود المبذولة بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لحماية المنطقة، إذ تحولت بعض الطيور المهاجرة إلى طيور مقيمة في المحمية بسبب توافر البيئة المريحة لها، وقوامها توافر المخبأ والأمان والماء».
التزام بالمعايير
ورأى بن ثالث أنه على المصور الالتزام بمعايير عدة خلال تصويره في الطبيعة، مشدداً على أهمية أن يكون المصور سفيراً للبيئة، لاسيما أنه سيصادف لحظات تؤكد له رقة البيئة وسهولة تأثرها بعوامل عدة. وأشار إلى أن الصورة لا تخرج من الكاميرا، بل من المعرفة التي تكون موجودة عند الفنان، بدءاً من معرفته بالمواسم الخاصة بوجود الطيور وأوقات التكاثر ومناطق الأكل التي بمجملها تُحقق أفضل صورة، معتبراً أن الاطلاع ضروري، والحضور في الميدان أساسي أيضاً، فضلاً عن المعرفة بالإعدادات الصحيحة لكل صورة من أجل التقاط اللحظة، لأن لحظات الحياة البرية لا تتكرر.
ولفت إلى أن الصور الموجودة في المعرض لها قصصها، ومنها صورة البومة مع فراخها الثلاثة، إذ التقطها بعد أن مكث بالقرب من العش مدة 23 يوماً، حيث صور الفقس والإطعام، مشيراً إلى أهمية أن يوجِد المصور نوعاً من الثقة بينه وبين المخلوقات، كي يتمكن من الاقتراب منهم والتقاط الصور دون أن تشعر بالخطر. وعن الصورة الأكثر صعوبة، أشار بن ثالث إلى أنها لطائر مرعة الماء، وهو طائر يقطن بين القصب ولا يخرج إلا قليلاً، لافتاً إلى أنه انتظر الطائر سبعة أيام، وعندما خرج، ظهر لمدة 20 ثانية فقط، التقط فيها له الصورة.
دليل علمي
وعدّ بن ثالث التصوير الفوتوغرافي مهماً جداً في توثيق الحياة البرية، فالصور بمنزلة دليل علمي، تخدم مراقبين الطيور، لأن الكائنات هذه عبارة عن مملكات وهناك فصائل كثيرة للطيور وكل منها يحمل اسماً مختلفاً.
ونصح مصوري الحياة البرية بضرورة الحضور في الميدان، وإجراء البحث الصحيح قبل التصوير، فالمصور يجب أن يعمل على معرفته وتنوعها، سواء المعرفة الشخصية أو المعرفة بالكاميرا، وكذلك بالكائن، ليصب كل هذا في الختام في خدمة إخراج صورة مميزة. وشكر بن ثالث «دبي للثقافة» على تنظيم هذا المعرض النوعي، لاسيما أنه تم إضافة الرموز التي من خلال مسحها يتاح للزائرين التعرف إلى الكائنات بالفيديو، وهذا منح المعرض الجانب العلمي المتميز، وقدم الفرصة لمزيد من الاستمتاع.
تجربة نوعية
ومن جهتها، أكدت المدير التنفيذي لقطاع الفنون والتصميم والآداب في «دبي للثقافة»، شيماء السويدي، أن المعرض يعد تجربة نوعية تهدف إلى تسليط الضوء على محمية المرموم الصحراوية، وإبراز جمالها وعناصرها الطبيعية التي تشكل جزءاً أصيلاً من البيئة والثقافة المحلية. وأوضحت أن أهميته تكمن في تقديم محمية المرموم الصحراوية، من منظور معرفي وبصري معاصر يبرز تنوعها البيولوجي، بما ينسجم مع توجهات «دبي للثقافة» الهادفة إلى ربط الفن بالطبيعة، وتوظيف فن التصوير الفوتوغرافي أداة فاعلة تسهم في تحويل المشهد البيئي إلى تجربة إنسانية تحفز على التأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة والشعور بالمسؤولية تجاه حماية الحياة البرية وصونها، إلى جانب تعزيز مفهوم الاستدامة، وحفظ وصون التراث الثقافي المادي وغير المادي المحلي. ولفتت إلى أن الهيئة تحرص عبر مبادراتها على تطبيق أفضل الممارسات وتبني الحلول المبتكرة في دعم القطاع الفني والثقافي، وهو ما يتجلى في تجربة يمر من خلالها الزوار بالسيارة، بما يسهم في تحويل القيادة إلى رحلة بصرية وثقافية متكاملة. وأكدت استخدام هياكل معمارية لعرض الصور، مستوحاة من طبيعة الصحراء، تتميز بقدرتها على مقاومة الظروف المناخية واعتمادها على الطاقة الشمسية، كما زُودت الصور برموز الاستجابة السريعة (QR Code) التي تتيح للزوار فرصة الاطلاع على معلومات تفصيلية حول أنواع الحيوانات التي توثقها الصور، والتي تم تحويلها إلى فيديوهات تفاعلية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ورأت أن المعرض يشكل نموذجاً استثنائياً قابلاً للتطوير والبناء عليه، حيث أسهمت فكرته في التحفيز على التفكير في اعتماد أساليب مبتكرة وتنظيم معارض تسهم في تقديم الفنون ضمن بيئات طبيعية تربط الإبداع بالمكان وتثري التجربة الثقافية وتمنحها بعداً إنسانياً ومعرفياً.
استراتيجية الاستدامة
أكدت المدير التنفيذي لقطاع الفنون والتصميم والآداب في «دبي للثقافة» شيماء السويدي أن الاستدامة وحماية الحياة البرية تندرج ضمن أولويات واستراتيجية «دبي للثقافة»، التي تسعى من خلال مبادراتها ومشاريعها المتنوعة إلى توظيف الثقافة والفنون في دعم القضايا البيئية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهميتها. وأشارت إلى أن التصوير الفوتوغرافي يمثل إحدى الركائز الأساسية في الصناعات الثقافية والإبداعية، وأداة فاعلة في توثيق عناصر تراثنا المحلي وتاريخنا العريق، والتعبير عن ثقافتنا الأصيلة بلغة بصرية معاصرة. وتبرز أهميته في قدرته على حفظ الذاكرة البصرية الجماعية لدبي ودولة الإمارات، وإعادة تقديمها بأسلوب إبداعي متفرد يواكب التحولات الفنية والثقافية.