بمشاركة مثقفين وسياسيين من 90 دولة

«القمة الثقافية» في أبوظبي: رهان الإمارات على الثقافة والتسامح يدعو إلى التفاؤل

صورة

أكد مثقفون وسياسيون أهمية رهان دولة الإمارات العربية المتحدة على الثقافة، من أجل تحقيق السلام والتعايش. مشيدين بجهود الدولة في تكريس قيم التسامح والسلام والحوار وتقبل الآخر، والتي توجت بإطلاق أبوظبي وثيقة «الأخوة الإنسانية»، التي وقعها قداسة البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، وشيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب، في فبراير الماضي، وهو أمر يدعو للتفاؤل بالمستقبل.

كما اتفق المشاركون في جلسات النسخة الثالثة من «القمة الثقافية أبوظبي 2019»، والتي انطلقت صباح أمس في منارة السعديات في العاصمة أبوظبي، تحت شعار «المسؤولية الثقافية والتكنولوجيا الجديدة»، وتستمر حتى 11 أبريل الجاري، بتنظيم دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، على حيوية الدور الذي تقوم به الثقافة في التقريب بين شعوب ودول العالم، على اختلاف هوياتهم وخلفياتهم الفكرية، والتصدي للعنف والتطرف. داعين إلى توظيف التكنولوجيا للإسهام في هذا الدور.

من جانبها؛ أشارت وزيرة الثقافة وتنمية المعرفة، نورة بنت محمد الكعبي، إلى أن عنوان القمة يلخص متطلبات الوقت الحالي بتسخير التكنولوجيا، وكيف يمكن للمسؤولين وأفراد في القطاع الثقافي والإبداعي تحمل مسؤولية الطفرة التكنولوجية، ما يتماشى مع رؤية الإمارات 2021، والاتجاه نحو تقنية الجيل الخامس وكيف أنها محرك أساسي للتنمية. وأضافت: «أصبحت التكنولوجيا أداة ووسيلة في صناعة الفن، ونؤمن بأن الثقافة للجميع، وقد ساعدت التكنولوجيا على ذلك، خصوصاً في كسر حاجز طبقة معينة تستمتع بقراءة مخطوطة معينة، أو التعرف على تفاصيل لوحة لا نستطيع رؤيتها بالعين المجردة، ولست متأكدة كيف أشعر بلوحة رسمتها ريشة الذكاء الاصطناعي في سوق الفن، لكن حان الوقت أن نسأل أنفسنا ما العلاقة بين الفن والآلة».

قضايا ملحة

الكعبي أشارت إلى أن «القمة الثقافية أبوظبي 2019»، في نسختها الثالثة، تجمع نخبة متميزة من المبدعين وصنّاع السياسات لمناقشة المسؤوليات الثقافية والتكنولوجيا الجديدة، ودور الثقافة في تعزيز الوعي بالقضايا العالمية الملحة، وإسهام القطاع الثقافي في التغيير الإيجابي. لافتة إلى أهمية ما تطرحه القمة من قضايا ومداخلات وتساؤلات، سواء تم إيجاد حلول لها في هذا العام، أو خلال الدورة المقبلة من القمة».

من جانبه؛ عبر رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، محمد خليفة المبارك، في كلمته الافتتاحية، عن حرص «القمة الثقافية أبوظبي» على طرح مختلف القضايا الملحة في عصرنا الحاضر، وجمع أكثر الشخصيات تأثيراً حول العالم لتوليد الأفكار وإيجاد الحلول وتعزيز التواصل والشراكات المستقبلية، لمواجهة التحديات العالمية وإحداث تغيير إيجابي وحقيقي، بما يحقق التواصل بين أشخاص من مختلف الجنسيات والاتجاهات.

الثقافة السياسية

ولفت زكي أنور نسيبة، وزير دولة، إلى الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في بناء المجتمعات، وخلق تفاعل بين الثقافات المختلفة حول العالم، وفي الوقت نفسه دورها في خلق حالة من الانعزالية تحيط بالفرد، مشيراً خلال إدارته للجلسة التي حملت عنوان «الدبلوماسية الثقافية والمسؤولية في زمن التكنولوجيا الحديثة»، إلى الدور الذي يمكن أن يقوم به الدبلوماسيون والسياسيون في طرح مختلف القضايا المرتبطة بالهوية الثقافية مع شعوبهم.

وأكد رئيس بوليفيا السابق، العضو في نادي مدريد، خورخي فرناندو كيروغا، في مداخلته، أهمية «وثيقة الإنسانية» التي تم توقيعها في أبوظبي، لترسيخ قيم التسامح والتعايش بين الجميع، بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية والفكرية. مشيداً بما تقوم به دولة الإمارات من خطوات تبعث على التفاؤل بالمستقبل، وهو أمر لا يرتبط بوجود النفط فقط، «فهناك دول كثيرة لديها نفط، لكنها لم تحقق النجاح الذي حققته الإمارات، بل ربما كان النفط سبباً في الانقسام والصراع في بعض الأحيان».

واعتبر أن الثقافة هي الحبل الذي يربط الجميع معاً رغم اختلافاتهم، كما تطرق إلى التقدم التكنولوجي الكبير الذي شهده العالم في العقدين الماضيين، خصوصاً بعد اختراع الهواتف الذكية التي سهلت الحياة كثيراً، وخلقت المزيد من الفرص، لكنها في الوقت نفسه خلقت تحديات جديدة.

تحية للإمارات

من ناحيته؛ وجه رئيس الوزراء الإسباني السابق، خوسيه لويس ثباتيرو، التحية للإمارات على اختيارها للثقافة وسيلة لتحقيق السلام والتسامح، ورعايتها لـ«وثيقة الإنسانية»، وكذلك تنظيمها القمة الثقافية التي تمثل تجمعاً مهماً لحوار وتحالف الحضارات، الذي يعد إحدى أهم أدوات الثقافة من أجل تحقيق السلام. ودعا ثباتيرو إلى دعم المبادرات التي تطرحها المؤسسات العالمية المهتمة بالثقافة والثقافة السياسية، كما شدد على ضرورة استخدام الثورة التكنولوجية في دعم السلام والتسامح، من خلال حث الشركات الكبرى على استخدام الذكاء الاصطناعي والإنترنت، وغيرهما من وسائل التكنولوجيا لنشر هذه القيم، ودعم حقوق الفكرية الرقمية وسن القوانين والاتفاقيات التي تضمن هذه الحقوق.

وأشار المدير العام لأكاديمية الإمارات الدبلوماسية، برناردينو ليون، إلى جهود الإمارات في نشر السلام والتسامح، حتى أصبحت كلمة التسامح تتصدر المناخ الحالي، حيث يعترف جميع من يعيش في مجتمع الإمارات بكرامة الآخر ويحترم ثقافته، لافتاً إلى ارتباط الثقافة بالدبلوماسية، ودورها في إنجاح العلاقات بين الدول في أوقات التوتر. كما حذر مما تحمله وسائل التواصل الاجتماعي من خطابات الكره، داعياً إلى مواجهتها بالثقافة والإبداع.

تحديات وسائل الإعلام

التحديات التي فرضها التطور التكنولوجي الكبير، الذي يشهده العالم اليوم على وسائل الإعلام المختلفة، كانت محور الجلسة الثانية، التي أقيمت تحت عنوان «ما هو دور الإعلام في عصر التكنولوجيا؟»، حيث ناقش المشاركون فيها كيفية حفاظ وسائل الإعلام، مثل الصحف والمواقع الإخبارية، على حضورها وجماهيريتها، فأشارت رئيسة تحرير «ذا ناشيونال»، مينا العريبي، إلى العامل في الصحف شهد تغيراً كبيراً فلم يعد يرتبط بموعد طباعة وصدور الصحيفة الورقية، فهناك تحديث مستمر للأخبار عبر المواقع الإلكترونية للصحف ومنصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، بل وكثيراً ما تقدم الصحف بثاً فورياً ومباشراً للأحداث المهمة للحفاظ على قرائها، لافتة إلى صعوبة مواكبة السرعة في بث الأخبار وفي الوقت نفسه تقديم محتوى متميز يناسب القراء داخل وخارج الدولة ويتمتع بالصدقية، دون الانسياق خلف سباق اللعب على مشاعر الناس وهو سباق نحو الحضيض. بينما تحدث محرر ومقدم برنامج الأسواق الناشئة في قناة CNN، جون ديفتورياس، حول التطورات الكبيرة التي نتجت عن اختراع الهواتف الذكية في السنوات الـ10 الماضية، مقارنة بصعوبة التغطيات الإعلامية في السابق، مثل تغطية حرب الخليج أو سقوط حائط برلين. وأشار المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «نيرفورا»، شاشي مينون، إلى أن هناك فرقاً بين الشعبية والتأثير، لافتاً إلى أن التحدي الأكبر لوسائل الإعلام هو تقديم محتوى متميز ومثير للغاية حتى يجذب القراء.

90 دولة

بمشاركة أكثر من 450 خبيراً ومتخصصاً من 90 دولة؛ تناقش «القمة الثقافية أبوظبي 2019»، على مدى خمسة أيام، سلسلة من القضايا والورش التفاعلية، التي تتناول موضوعات تتعلق بالفن والإعلام والتراث والمتاحف والتكنولوجيا، بالإضافة إلى عروض ثقافية وفعاليات للتواصل. كما تبحث القمة سبل تمكين المؤسسات الثقافية من المشاركة بصورة فعّالة في معالجة التحديات العالمية، وتسخير الإبداع والتكنولوجيا لتحقيق التغيير الإيجابي.

طباعة