«نشأة متحف» يكشف هوية «اللوفر أبوظبي»
بما يزيد على 130 عملاً فنياً لم يسبق أن عرض معظمها من قبل؛ كشف معرض «نشأة متحف» عن الملامح الأولى لجوهر وهوية متحف اللوفر أبوظبي، المزمع افتتاحه في 2015، ويعكس المعرض صورة المتحف المستقبلي المرتقب، ويقدم رؤية جديدة وفريدة حول تاريخ الفن تستند إلى مفهوم التقاء وتحاور الحضارات الكبرى مع بعضها بعضا، منذ أقدم العصور حتى الفترة المعاصرة، عبر مجموعة من الابداعات الفنية القيمة.
ويضم المعرض الذي يفتتح رسميا مساء الأحد 21 أبريل الجاري، وللجمهور بداية من الإثنين 22 أبريل في المنطقة الثقافية في السعديات، ويستمر حتى 20 يوليو 2013، قطع أثرية من مصر وتركيا واليونان ومالي، تمثل حضارات تركت بصمتها في الثقافة الانسانية على مدى آلاف السنين، تم عرضها وفق مفهوم سردي يركز على الملامح المشتركة للتجربة الانسانية الواحدة بما يجعلها قادرة على تخطي حدود الجغرافيا والوطن والتاريخ، وهو أحد المفاهيم التي تستند إليها هوية «اللوفر أبوظبي»، وهو ما يظهر بوضوح عبر أقسام المعرض الستة، خصوصا قسم «العصور القديمة»، الذي يقدم أمثلة على الروابط التي قامت (أو غابت) بين المناطق السياسية والفنية الرئيسة، وذلك من خلال اختيار رمز معين (مثل المزهرية)، لإلقاء الضوء على التنوعات الفنية أو الوظيفية التي تميز بها العصر اليوناني المينوسي القديم، واليوناني الكلاسيكي، والصين القديمة ومصر الرومانية، ومن أبرز معروضات هذا القسم تمثال «بوديستافا» واقفا، الذي يعود إلى منطقة غاندهارا، القرن الثاني ـ الثالث، حيث أسهمت حملة الاسكندر الاكبر، التي وصلت إلى بلاد السند في تحقيق التواصل بين العالم الهندي والمنطقة المحيطة من جهة وبين الحضارة اليونانية من جهة أخرى. ومن المعروضات أيضا تمثال صغير من البرونز للإله «أوزيريس»، الذي يعود إلى الحقبة الثالثة من تاريخ مصر الفرعونية، وهو من البرونز مع آثار أوراق ذهبية وترصيعات من الزجاج. ومن إيران عرض سوار من الذهب يعود إلى 3000 سنة تقريبا، ويمثل إحدى تحف الصياغة الفارسية المحفوظة لدى متحف الآثار الإيرانية في طهران.
حوار الحضارات
| محطة فارقة في تعليق له على المعرض الذي يمثل محطة لافتة، بسميرة المنطقة الثقافية في السعديات؛ قال الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان، رئيس هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة: «نلمس في هذا المعرض ثمرة الجهود التي بذلت على مدار الأعوام القليلة الماضية لافتتاح (اللوفر أبوظبي)، ونفخر بأن (نشأة متحف) يمثل محطة فارقة تعزز مكانة العاصمة الاماراتية كحاضنة للحركة الإبداعية والثقافية المحلية والاقليمية والدولية، ونتطلع لان يكون المتحف بمجموعته الدائمة وجهة للتبادل الثقافي والفني بين شعوب العالم |
من الاقسام التي تعبر عن مفهوم المزج الفني والالهام المتبادل بين الثقافات المختلفة في المعرض قسم «حوار الثقافات» الذي يعتمد بدوره ثلاثة محاور: الأول «اكتشافات وأحلام»، الذي يبرز المواجهات بين الحضارات ونقاط التلاقي التي قامت في ما بينها، سواء كانت حقائق تاريخية أو تخيلية حالمة كالصورة التخيلية الساحرة التي تكونت لدى الاوربيين عن الشرق الأقصى في القرنين 17 و18، ومن بينها الخزفيات الصينية أو التطريز أو الرسم مثل قطعة من البلاط المزخرف بنقوش الأرابيسك من الامبراطورية العثمانية عام 1570 تقريبا، ولوحة على الحرير من اليابان تعود لأواخر القرن الـ17، وصفحات من القرآن الكريم يعتقد انها تعود إلى سورية في أواخر القرن الـ13، بينما قدمت بعض الأعمال المعروضة صوراً منقولة بإخلاص عن لحظة معينة لاسيما من خلال التصوير الفوتوغرافي، مثل الصورة الفوتوغرافية «عيوشة»، التي تعود إلى القاهرة 1843، ويعتقد انها الأقدم على الاطلاق لامرأة محجبة، وهي للمصور الفرنسي جوزيف فيليبريت غيرو دو برونجي. أما المحور الثاني «الأشكال المسافرة» فيظهر كيفية انتقال الاشياء ومعها مفاهيم الإلهام والأشكال والأفكار والزخارف التي تصبح بدورها وحياً للإبداعات الأصلية الجديدة التي تشكل مزيجا فنيا غنيا يتجاوز الحدود والجغرافيا. ويجسد المحور الثالث: «الزخرفة والحداثة» مثالا على غنى هذا التحرك للأشياء والأفكار، ويظهر كيف تسافر الأفكار واستخدام الزخرفة والأشكال لإثراء المفردات الفنية والزخرفية الجديدة التي تشكل إشارة واضحة للمساهمة المهمة والكبيرة للأعمال الفنية والإسلامية الإفريقية واليابانية.
بين القديم والحديث
وإلى جانب قسمي «العصور القديمة» و«حوار الثقافات»؛ ضمن المعرض أقسام أخرى هي «العمل التشكيلي» الذي يعرض مفهوم تطور العمل التشكيلي باعتباره بصمة الانسان في الحياة منذ فجر الحضارات، ويضم «التمثال القبرصي» أو النموذج الفني الفريد لامرأة باختارية واقفة، ثم ينتقل إلى التعبير الفني في العصور الحديثة من خلال لوحة «قياسات بشرية/ أنثروبومتريا المزدوجة» للفنان إيف كلايف. في حين يظهر قسم «النص المقدس» الحوار بين الأديان، ويلقي بالضوء على الطقوس والشعائر الدينية ودلالاتها المختلفة، مع احترام فردية كل دين على حدة والخصوصية التي يمتاز بها كل دين عن الأديان الأخرى. ويقدم قسم «الصورة الشرقية» لمحة عامة عن الصور الفنية الشرقية/ وتأثيرها في الأعمال الفنية الغربية في القرن 19، وتظهر الأعمال المعروضة بدءاً من الرسم الهندي المغولي الراجبوتي وحتى الزن الياباني، التنوع الغني والإبداع في بناء صورة الشرق. في المقابل يضم قسم «النظرة الغربية» 20 لوحة زيتية مميزة تمكن الزائر من فهم العوامل الفردية في التمثيل التصويري للعالم الغربي، من خلال قسمين: «تصوير العالم» ويتضمن أعمالا فنية من الفترة الممتدة من القرن الـ16، وحتى القرن الـ20 لمجموعة من أبرز فناني أوروبا من بيليني وصولا إلى إينغز وجوردانس وموريو. أما القسم الثاني «الرؤية الذاتية» فيضم أعمالا لكل من مانيه وغوغان وماغريت، تصور بروز شخصية الفنان الحديث المستقلة عن عالم الفن الرسمي، كنتيجة للحركات التي تشكلت كالانطباعية والسيريالية وكان لها دور مهم في تشكيل ملامح المشهد الفني في القرنين 19 و20. ويوضح القسم الختامي من المعرض كيف ساهمت التأثيرات المتبادلة بين الشرق والغرب في تطور أشكال جديدة للتعبير، ويضم سلسلة تتكون من تسع لوحات زيتية كبيرة الحجم للفنان سي تومبلي.
ملكية دائمة
أوضحت مدير مشروع «اللوفر أبوظبي» في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، حصة الظاهري، خلال الجولة التي نظمت صباح أمس للإعلاميين داخل المعرض، أن ملكية القطع المعروضة كافة في «نشأة متحف» لحكومة أبوظبي، باعتبارها جزءاً من مقتنيات «اللوفر أبوظبي» الدائمة والمتنامية. لافتة إلى أن عملية الاقتناء للمتحف بدأت منذ عام 2009 وهي عملية متواصلة ومستمرة، ولذا من الصعب تحديد عدد القطع المتوقع أن يضمها المتحف بدقة، وإلى جانب القطع المقتناة، سيضم المتحف قطعا تتم استعارها من متاحف في فرنسا بشكل دوري. وذكرت الظاهري ان «اللوفر أبوظبي» لن يكون نسخة مكررة من «اللوفر باريس»، ولكن ستكون له هويته وشخصيته المختلفتان اللتان تظهران من خلال ترتيب أقسامه وقاعاته لتكون بمثابة رحلة عبر التاريخ بمراحله وحضاراته المتعددة، عبر طابع يعكس روح وهوية ابوظبي وعالميتها أيضا، منطلقا من موقعها كمركز للربط بين الحضارات.