صنع الله إبراهيم خلال حفل لتوقيع روايته «أمريكانلي». أرشيفية

«الجليد».. كثير من «الطرائد» وقليل من التوثيق

زمان مفصلي (1973)، وعاصمة تحكمت في نصف الأرض (موسكو)، وشخوص من جهات العالم الأربع.. خامات مشوّقة، تصلح لتشييد عالم فني طازج، لكن بذور التشويق ربما لم تزهر، كما ينبغي، في آخر أعمال الروائي صنع الله إبراهيم «الجليد» الصادرة عن دار الآداب اللبنانية.

اشتهر صنع الله إبراهيم، بأنه صاحب مشروع روائي بملامح خاصة، وسمات مميزة، إذ يلتصق الكاتب بالواقع، وينبش في الوثائق والجرائد اليومية، ويستخرج منها الكثير، ليستعين به بحرفية في رواياته وقصصه. يتجنـب مبدع «اللجنة»، و«نجمة أغسـطس» و«وردة» الغنائية والوصفية في السرد، مفضلاً اللغة المتقشـفة المباشرة، وسيجد قارئ «الجليد» بعضاً من تلك الخصـائص حاضرة في الرواية الجـديدة، إلا أن روح صنـع الله المتفـردة ربمـا غابت عن العـمل.

موقف

ولد الكاتب المصري صنع الله إبراهيم عام ،1937 دخل السجن أكثر من مرة، لتصنيفه ضمن الكتاب المعارضين خلال الحقبة الناصرية. ومن أبرز مواقفه رفضه تسلم جائزة الرواية العربية التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة، إذ صعد إلى مسرح الجائزة، وأعلن على الملأ رفضه أخذ جائزة من النظام المصري عام .2003 وحصل صنع الله إبراهيم على جائزة ابن رشد للفكر الحر عام .2004

ومن أهم أعماله الروائية: تلك الرائحة، اللجنة، نجمة أغسطس، بيروت بيروت، ذات، شرف، وردة، أمريكانلي، التلصص، العمامة والقبعة، القانون الفرنسي والجليد».

في عاصمة الاتحاد السوفييتي السابق موسكو، حيث «أبراج الكرملين وقباب الكاتدرائيات»، تدور أحداث الرواية، تفصل يوميات طالب بعثة، يفترض أنه باحث يعد أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، لكن مساحة الباحث «تتجمد» في «الجليد»، مفسحة الصفحات ليوميات الاغتراب والإحساس بالضياع، ومحاولات ذلك الباحث (شكري لم يذكر اسمه سوى مرة واحدة على طول العمل) التغلب على ذلك بالعلاقات، وإدمان الفودكا، وتصيد «الطرائد» من «الأبشجيتي» (بيت الطلاب)، الذي كان يسكن فيه، أو حتى من شوارع العاصمة الروسية، إن عزت الطريدة في سكن الطلاب.

خبير بموسكو

التحم الطالب المصري بالحياة في موسكو، بدا خبيراً بكل دروبها، حافظاً أسماء محطات سككها الحديدية، وكذلك مناراتها الحضارية ورموزها الثقافية المختلفة، وفي الآن ذاته يرصد تحولات البشر في تلك المدينة، يتأمل صراعات سكانها مع الحياة، ومع أحلام الاشتراكية، وبدايات انهيار تلك المبادئ في النفوس.

تتبع الحكاية هموم بشر، يقفون في طوابير طويلة للحصول على أطعمة بسيطة، أو حجز مقعد في مطعم، يلجأون إلى السوق السوداء لاقتناء حذاء ترفيهي مستورد من خارج البلاد، وتدين الرواية ساسة متنعمين، يقولون ما لا يفعلون، وتتعاطف مع مسنين يؤجرون غرف بيوتهم للطلبة الغرباء، بينما يكتفون هم بالنوم في المطابخ، لتوفير بعض لوازم الحياة الضرورية.

تقلصت الحيلة الفنية الأشهر التي يلجأ إليها صنع الله إبراهيم، وهي تقنية التوثيق، وتطعيم الرواية بحوادث حقيقية وأخبار يومية، بل وأتت متأخرة في «الجليد»: «أعطاني صحافي مصري كل ما لديه من صحف مصرية؛ بسبب انتهاء عمله في موسكو. حملتها في سيارتيّ تاكسي إلى المعهد.صعدت بها إلى غرفتي عدة مرات. رأتني القومندانة ففغرت فمها بشيء. وضعت الصحف على جانب فكونت كوماً عالياً. فكرت في هول ما أنا مقدم عليه. استخرجت صحف الأيام الستة من يونيو ،1967 وعكفت على قراءتها. أمسكت بالمقص وقصصت بعض محتوياتها. أسقطت بضع نقاط من زجاجة الصمغ فوق ورقة بيضاء. ألصقت القصاصات وكتبت التاريخ في اعلى الورقة، ثم تناولت صحيفة أخرى».

وعند هذه المحطة النوعية (الصفحة 57) لن تتغير مسارات الرواية كثيرا، إذ سيظل شكري في مشواره الخاص، منقبا عن المرأة، ويائسا في العثور عليها، رغم نساء الشرق والغرب اللواتي يحطن به، في بيت الطلبة، وفي المعهد، وفي غيرهما من الأماكن التي تعرف فيها الى الكثيرات.

مرور عابر

أسماء كثيرة، تمر عبر «الجليد»، لكن أياً منها ربما لن يمكث طويلاً، لا مع الراوي، ولا مع القارئ، شخصيات من دول مختلفة حول العالم، تلاقت في العاصمة موسكو، للتبادل الثقافي، ولدراسة علوم وفنون مختلفة، لكن كما توارت الاهتمامات العلمية لدى شكري، توارت كذلك عند أولئك المبتعثين الآخرين، فيما بدت جلية همومهم الشخصية، وصراعاتهم واغترابهم أيضاً، حالهم حال الراوي المأزوم.

يشبه بيت الطلاب الذي يسكن فيه الراوي أمماً متحدة مصغرة، طلبة من البرازيل والسنغال وألمانيا (الشرقية)، والجمهوريات السوفييتية ورومانيا ومصر وسورية والعراق، وغيرها كثير من الدول التي اتجهت نحو الاشتراكية، واقامت تحالفات مع موسكو، في تلك الآونة (السبعينات من القرن العشرين).

تتطرق الرواية إلى تفاصيل الحياة اليومية في بيت الطلاب، خصوصا أن غرفة شكري صارت قبلة لكثيرين، نساء ورجالا، عربا وعجما، لكن الرواية لا تغوص في أعماق هموم تلك الفسيفساء البشرية، وحتى حينما تأتي على أزمة ما، تمر عليها مرورا شبه عابر، فالبطل الراوي ذهنه منصرف إلى شؤون أخرى، وذلك الممزق من الداخل غير صالح للتركيز إلا على نفسه.

شخصيات

من الممكن أن يجد المرء مبررات عدة للجوء الكاتب إلى اللغة المحايدة المتقشفة، التي تتجنب الإنشائية والوصف الطويل، وكذلك الاعتماد على السرد من دون الحوار، لكن الأمر يختلف تحديداً مع شخصيات الرواية، فالأخيرة ينبغي أن تثير، ولو حتى بعضها، حالة ما لدى القارئ، تصاحبه، تتحول من مجرد كائنات ورقية إلى شخصيات من لحم ودم، تتجسد وتتمرد وتترك الصفحات، تخرج من عالمها الروائي إلى الحياة، مستفزة المتلقي، على وضع كانت صفات تلك الشخصيات وملامحه، وليس ذلك معناه أن تصب في قالب ما يبتغيه المتلقي، ويجبر المبدع عليه.

وإذ بحث القارئ عن شبيه لتلك الشخصيات في رواية صنع الله إبراهيم الأخيرة سيعز عليه العثور عليها، حتى شخصية العمل ومحورها، شكري، فهو دائم الحركة، باحث عن شيء واحد تقريبا، وأيامه ولياليه متكررة لا تحمل الجديد سوى في الأسماء، مادلين بدلاً من ناديا، وجاليا بدلاً من زويا، وغيرهن كثيرات، يلتقيهن شكري، ويظل يحدث ذاته، هل سيكتمل اللقاء، وينتهي على السرير، أم سيصير هو حائط مبكى لأولاء النسوة، وينهار بعد ذلك، معللاً ذلك بـأنه لم يعثر على حبيبته بعد: «حكيت له عن معاركي مع زميلي عبدالله الانتهازي، عضو الاتحاد الاشتراكي الذي نافسني في حب زميلتنا جمالات، وفاز بها. قابلنا بشار عند عودتنا فقال إنه اشترى لحما جيدا من البريوسكا، ودعانا للأكل كان سوريا متوسط القامة ينسدل شعر رأسه الناعم حتى كتفيه على الطريقة الغربية. أعددنا صينية في الفرن، وضعناها في مطبخ الطابق الأول وجلسنا أمامها كي لا يسرقها أحد. أكلنا في غرفة السوريين مع بقايا زجاجة نبيذ. وانضم فريد إلينا قال إن إسرائيل قامت بغارات جوية على سوريا استمرت ثماني ساعات، وإن زويا أحضرت كتابا لحميد منذ ساعة، ثم اختفت. صعد هانز إليها ليدعوها فلم يجدها. أكلنا وشربنا فودكا، بعد أن انضم إلينا عباس العراقي العائد لتوه من بلده، وجان اللبناني وهيلين اليونانية صديقة بشار. كانت ترتدي جوبة قصيرة للغاية كشفت عن ساقين بديعتين أشعرني جمالهما بالحزن. ظلت صامتة بينما الحديث بالعربية. استفسر حميد من عباس عن طالب عراقي أنهى دراسته بالمعهد وعاد إلى العراق، فقال: ماكو. عاد يسأله: وعبـدالجبـار؟ قال: ماكو. سألته عما يعني، فمر بإصبعه على رقبته دون أن ينبس...».

يشار إلى ان رواية «الجليد» الصادرة العام الماضي مقسمة إلى 126 مقطعاً متفاوتة الطول، بعضها لا يتعــدى النصــف صفحــة.

الأكثر مشاركة