تمثيل يتحدّى سطوة النص
بعرضين مسرحيين الأول من السعودية، والثاني من أذربيجان بدأت فعاليات عروض الدورة الخامسة من مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، وعلى الرغم من الشهية التي بدت واضحة للمسرح بين ضيوف هذه الدورة، إلا أن برودة الطقس غير المتوقعة كانت السيرة الأكثر تداولا. البحث عن أرضية مشتركة يمكننا الانطلاق منها في تناول هذين العرضين لن يقودنا إلى نتائج محددة، إلا أنهما يضعاننا أمام شكلين مختلفين لآليات اشتغال المخرج على النص، إذ في العرض السعودي كنا أمام جهد واضح على الشكل ربما لتجاوز المضمون التقليدي ما وضعنا ببعض الأحيان في مواجهة تفسيرات تصويرية للكلمة، في الوقت الذي تغول الكلام المنطوق في العرض الأذربيجاني على حساب الشكل وكنا أمام عرض تراجعت فيه حيلة المخرج تاركا للممثل حمل ثقل عرض حكائي بامتياز في مواجهة جمهور لا يهجس باللغة، لكننا كنا أمام ممثل كبير أمسك بالصالة وقادها إلى الدخول في لعبته المكشوفة.
في كلا العرضين كنا في مواجهة ممثلين قديرين، لديهما ما يكفي من القدرة على تحدي الذات والآخر وسطوة النص المكتوب وربما التفوق عليه.
الممثلة والمخرجة المغربية لطيفة أحرار تعرف دائما ماذا تريد، وكعادتها لديها ما يكفي من الأدوات والموهبة لإنجاز عرض مسرحي يستحق المشاهدة، أحرار التي تصدت إخراجا وتمثيلا للنص السعودي «العازفة» للكاتبة السعودية د. ملحة عبدالله لم تترك للنص فرصة السيطرة على العرض، ووضعته أمام شكل بصري نقل هموم المرأة من سرديات بتنا نعرفها جميعا، إلى سلسلة من التفسيرات التي حاولت عبرها التخفيف من سطوة الكلام إلى فرجة قوامها الحركة والإيماءة والتعبيرات الجسدية، مرورا بذلك اللعب اللوني بين الأبيض والأسود، وإيجاد تنويعات تأخذ فيه المنطوق إلى صور تنقلت فيها أحرار الممثلة بين سلسلة من التحولات النفسية والجسدية التي ارتبطت بمؤثرات تم توظيفها بشكل جيد، خصوصا مقطوعات «البيانو»، التي تنوع دورها وكانت احرار قادرة على الاستفادة منها بشكل ملحوظ.
قادت أحرار التجربة وفق رؤية بصرية تمكنت خلالها من تفكيك نص يعرض من خلال لوحاته المتعاقبة علاقة امرأة بمحيط مجتمعي، تهيمن فيه الذكورة على إيقاع الحياة وأفقها، فنحن أمام همّ نسوي تقليدي بامتياز، حجب المرأة، تقزيمها، استغلالها، ازدواجية الرجل في التعاطي معها، الظلم التاريخي المتحقق عليها باعتبارها كائناً خلق لمتعة الرجل من دون أن يكون لها، في كثير من الأحيان، حق الاعتراض على ذلك.
| فريقا العملين «العازفة» من تأليف د. ملحة عبدالله (السعودية)، إخراج وتمثيل لطيفة أحرار (المغرب)، مساعد مخرج سعيد عامل، تصميم السينوغرافيا عبدالحي السغوشني، تصميم الملابس طارق الريح، إنجاز الملابس خديجة الإدريسي، الموسيقى: نبيل بنعبدالجليل، الرقصات رامون باير، علاقات عامة لبنى عواطف، والتوزيع الموسيقي زهير عتبان. «تلك هي النهاية» من تأليف بيتر توريني (النمسا)، إخراج: بهرام إسمانوف، وتمثيل غوربان إسماعيلوف. |
هذه التفاصيل وغيرها كانت موجودة في النص، وكانت قادرة على أخذ العمل إلى نمط تقليدي ومباشر من الفرجة التي شهدناها في عشرات من الأعمال التي تناولت الموضوع ذاته، لكن أحرار استفادت من سينوغرافيا عبدالحي السغروشني، لنقل الكلام من حالته السردية إلى لوحات ورمزيات لم تكن بهذا التميز، ربما لارتباطها بمقولة باتت مألوفة بالنسبة للكثيرين.
مقولات صارخة
نص الكاتبة السعودية ملحة عبدالله لا يخلو من تحديات وجرأة، خصوصا إن أخذنا بعين الاعتبار أن النص آت من السعودية، في النص مقولات صارخة تواجه فيها وضع المرأة وتدعوها صراحة إلى التغيير والرفض والخلاص، فالعازفة تدعو مرارا إلى حرية الجسد والروح.
ولا يتوقف عرض المؤلفة واقع المرأة في لحظتها الراهنة، بل بدت محاولتها تقديم ما يمكن اعتباره قراءة تاريخية للقولبة التي وضعت فيها المرأة منذ قرون عدة وبات من الصعب عليها كسر كل هذه الصور النمطية في مجتمع لا يقدم لها العون ولا يساعدها على ذلك، ثمة إشارات عدة في الكلام المنطوق تعود بنا إلى تاريخ هذه المواجع واستمرارها منذ زمن بعيد، يحاول النص دخول مواجع المرأة ليس من شكله الخارجي وتوصيفاته المعروفة، لكننا بالصورة العامة كنا أمام ديباجات تقليدية لهذه الهموم، استدعت في أحيان كثيرة شكلا بصريا توصيفياً لها.
حاولت لطيفة أحرار تفتيت النص وتحويله إلى جزئيات تحمل كل واحدة منها دلالتها الخاصة، وأسست لعلاقة عضوية بينها وبين هذه الجزئيات، إذ لم يكن أمامنا على الخشبة أي شيء مجاني، ثمة استفادة مميزة من سينوغرافيا ذكية وبسيطة ذهبت في النص بعيداً، استطاعت أحرار بلمسات كثيرة نقل العمل من محليته وعممته على مجتمعات عربية أخرى، وبدت استفادتها واضحة من الموروث الاجتماعي والغنائي في المغرب.
| عروض اليوم تتواصل، اليوم، عروض الدورة الخامسة من مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما مع عرضين، الأول من سورية يحمل عنوان «سوناتا الربيع»، تأليف جمال آدم، إخراج ماهر صليبي، تمثيل مازن الناطور. والثاني من الإمارات بعنوان «اصبر على مجنونك»، تأليف وإخراج جمال مطر، تمثيل أحمد مال الله. |
من اللحظة الاولى للعمل بدا واضحا ذلك الاشتغال الذي قامت به أحرار على خلق بنية بصرية وحركية تتجاوز فيها مقولة النص ورمزياته، التجديد في هذا العرض لم يكن نابعاً من بنية العمل المكتوب، بل جاء من محاولات عدم الانصياع للمادة المكتوبة، في مواقع كثيرة بدت أحرار تشاكس القول برمزيات حركية وأدائية في جهد منها لنقل العمل من مجرد سرد لمواجع المرأة التي نعرفها جميعاً إلى أداء حركي.
شيء ما كان يعيق أحرار عن أن تكون حرة تماماً، ربما كان رهانها الإخراجي هو أن يضعنا في مناطق عدة من السكون، أن تتركنا نمشي في حالة أفقية تتخللها انعطافات كان يمكنها أن تكون أفضل من دون تلك التداخلات الصوتية الخارجية، لكن بالصورة العامة قادت لطيفة أحرار تجربة تجولت فيها بنص يتحرك في بنية نسوية معقدة ويحاول سبر أغوار امراة قد تكون واحدة من آلاف النساء العربيات اللاتي يعشن المشكلة ذاتها.
«تلك هي النهاية»
كل ما يحتاج إليه الممثل الكبير مساحة صغيرة يمكنه أن يحولها إلى عالم غني بالكثير من التفاصيل الجميلة، الممثل بمعناه الحقيقي سرعان ما يفرض لعبته ومزاجه ويخلق علاقة يصعب على الجمهور التملص منها، حتى إن كان يتحدث لغة غير مفهومة بالنسبة للكثيرين. هذا ما فعله الممثل الأذربيجاني غوربان إسماعيلوف الذي قدم لجمهور المهرجان، أول من أمس، عرضاً مميزا، وبأدوات بسيطة حوّل إسماعيلوف المسرح إلى دنيا صغيرة لا تتوقف فيها الحكايا والتفاصيل، غياب مفردة أساسية متعلقة باللغة لم يكن عائقا يذكر أمام هذا الممثل الذي انشغل الجمهور بلعبته التي قوامها المغامرة واللعب على المكشوف.
العرض الآتي من أذربيجان يحمل عنوان «تلك هي النهاية»، للشاعر والمسرحي النمساوي بيتر توريني، إخراج بهرام إسمانوف، يعتبر نص هذا العمل من التجارب الشهيرة لصاحبها والتي تميز فيها عن غيره من أبناء جيله، تعرف نصوص توريني بأنها صعبة وتعتمد بشكل دائم على حالات متداخلة من الشعرية والحساسيات اللغوية إضافة إلى السرد المفرط الذي يصل في مواقع كثيرة حد الثرثرة، توريني واحد من الكتاب الكثر الذين أخذوا مواقف صارمة من التحولات التي شهدتها المجتمعات الغربية، خصوصا فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى مواقفه العدائية من الأيدلوجية، والعلاقات المشبوهة بين المؤسسة الدينية والنظام الرأسمالي.
في هذا العرض، نتعرف إلى واحدة من هذه الشخصيات التي تقف أمام أخطائها الكثيرة في رحلة بحثها عن الشهرة والنجاح، ففي لحظة مباغتة تتحول الأخطاء إلى لعنة تقود صاحبها إلى قرار الانتحار لكن حتى هذا الانتحار سيكون بداية للعبة تكون منطلقاً لعشرات الحكايا والقصص التي يتواطأ معها بطل العرض كي يؤخر قرار انتحاره؛ خصوصا أنه يدرك في قرارة نفسه أن موته لن يكون نهاية لعذابه بل بداية لرحلة مجهولة ومخيفة لن تضع حدا لعذاباته.
في هذا العرض نحن أمام صراع يعيشه صحافي قادته طموحاته للشهرة إلى المزيد من الخسائر التي يصعب إحتمالها فيقرر الانتحار، لكنه قبل أن يفعل ذلك يفضح كل شيء في لعبة مثيرة من الاسترسال الكلامي الذي لا يتوقف، لم يتطلب الأمر من الممثل إسماعيلوف وقتا طويلا قبل أن يمسك بخيوط اللعبة بينه وبين الخشبة، وعلى الرغم من أن مخرج العمل وضع ممثله في لعبة مكشوفة، وتركه على الخشبة بأدوات بسيطة، وسينوغرافيا متقشفة وحتى غائبة، كان على إسماعيلوف أن يروي لنا كل تلك الحكايا التي لا تنتهي وتنعطف نحو قصص فرعية، وهكذا تكبر القصص وتتصاعد ليتحول قرار انتحاره إلى أمر غير مرغوب فيه ليس من الشخصية وحسب، بل من الجمهور الذي تأخذه الحكايا ويريد معرفة نهاياتها.
لا يستند هذا العرض إلى أي لعبة بصرية، التقشف هو العنوان العريض لهذا العمل، ولا مؤثرات خارجية باستثناء تلك الأكياس السوداء التي تخرج منها الحكايا.
وضع مخرج العمل كل ثقله وثقته بممثله باعتباره المؤثر الجوهري في العمل من خلال دعم فعل الحكي والقول، وقدرة الممثل على الانتقال من تجربة إلى أخرى، ومن فكرة إلى فكرة، ليعود بنا بين الحين والآخر إلى قراره الانتحاري الذي تختلط فيه المعاناة بالسخرية السوداء من الذات والآخر، تكمن ميزة هذا العرض في بساطته المفرطة، تلك التلقائية والتركيز على كسر المسافة بين الممثل والمتلقي باعتباره واحدا من عناصر اللعبة وليس مجرد متابع حيادي، إن هذا العرض الذي تحدى بامتياز عائق اللغة يمثل تحية حقيقية للممثل ولفكرة المونودراما كفن يحتفي بذلك الكائن المدهش، الغامض، الواضح الذي يسمونه اختصارا «الممثل».