ناصر ونوس: أزمة المسرح السوري بدأت بعد سنوات قليلة من انطلاقه. من المصدر

المسرح السوري «في مهب الرقابة»

«عندما نجح رجال الدين في سورية عام 1884 في طرد الشيخ أحمد أبي خليل القباني من سورية بعد إحراق مسرحه، كانوا بذلك يضعون اللبنة الأولى في جدار ما سمي في ما بعد (أزمة المسرح السوري)، فمع إحراق مسرح القباني انطفأت شعلة المسرح في سورية، ولم يكن قد مضى على إضرامها سوى سنوات عدة، ولم تعد للاشتعال مرة ثانية إلا في عشرينات القرن العشرين». بهذه الأسطر بدأ المسرحي السوري ناصر ونوس ورقته التي ألقاها في ندوة أقيمت، أول من أمس، في الشارقة، تناول فيها المسرح السوري بين 1987 و.1996 وأشار ونوس إلى أن أزمة المسرح في سورية ظهرت بعد سنوات قليلة على انطلاقته، وتفاقمت بعد هزيمة حزيران ،1967 وكتب عنها الكثير منذ مطلع السبعينات وإلى الآن من دون جدوى، حيث لم يتم وضع الخطط والمشروعات للخروج منها، وذلك أسوة بجميع الأزمات التي تمر بها ثقافتنا ومجتمعنا، والتي لا نستطيع الخروج منها، بل إن أزمة المسرح هي الأكثر تعبيراً عن بقية الأزمات التي يمر بها المجتمع بصورة عامة.

واعتبر ونوس أن أزمة المسرح في سورية لا تكمن في النص المسرحي وعدم توافره، كما يشاع، وليست في المخرجين ولا في الممثلين، بل إنها تكمن في غياب حرية التعبير، ومنع المخرجين من معالجة القضايا والمشكلات التي يغرق فيها مجتمعهم، وبالتالي منع المسرح من القيام بلعب دور اجتماعي، وتجريده من وظائفه ومسؤولياته، وسجنه داخل جدرانه الأربعة، خوفاً من «خطره». وغدا المسرح السوري أشبه بورقة مزعجة تتقاذفها الرقابة على هواها، ومن هنا يمكن القول عنه إنه «مسرح في مهب الرقابة».

وقال ونوس إنه «خلال العقدين الأخيرين استطاع القائمون عليه قطع كل الروابط التي كانت تربطه بجمهوره، وقاموا بذلك بذكاء لا نعهده عند المسؤولين عادة، وتخطيط مدروس قلّ نظيره، ولو كان هذا الذكاء والتخطيط موجهين لخدمة مسرحنا لكان هذا المسرح من أهم المسارح العربية الآن، لكنه، للأسف، موجه لتدمير هذا المسرح عبر تفريغه من محتواه وعزله عن جمهوره؛ فالجمهور يأتي عادة إلى المسرح لكي يتمتع بمشاهدة فن جميل، ولكي يرى من يضع مشكلاته على بساط البحث، ويسمع من يناقشها ويعالجها ويكشف أسبابها وسبل الخروج منها، لكن عندما يأتي إلى المسرح ويرى إخراجاً رديئاً وتمثيلاً متكلفاً، ويسمع أحاديث وحوارات لا معنى لها، فلن يكرر زيارته إلى المسرح، والخطر سيكون أكبر على المتفرج الجديد الذي يقدم له هذا النوع من المسرح على أنه (هذا هو المسرح)، وبالتالي سيهجر المسرح إلى الأبد».

تأليف

لفت ونوس إلى أنه خلال عقدي الثمانينات والتسعينات لم يظهر كاتب مسرحي جديد؛ وهذا ما يعزز مقولة ان سبب أزمة المسرح في سورية هو الافتقار لحرية التعبير، فمن المعروف أن أول شروط ازدهار المسرح، وازدهار الإبداع على وجه العموم، هو وجود فضاء كافٍ من الحرية، يستطيع المبدع التحرك فيه، ويستطيع الكتابة في الموضوع الذي يشاء بعيداً عن قيود الرقابة، ودون خوف، فضاء يتاح فيه لمختلف الأفكار والمواقف أن تعبر عن ذاتها، وتعلن اختلافها، وتدافع عن حقها في هذا الاختلاف، واعتبر أن الافتقار إلى حرية التعبير أجبر بعض كتاب المسرح على التوقف عن الكتابة، وأسطع مثال على ذلك هو المرحوم سعد الله ونوس الذي توقف عن الكتابة لمدة 15 عاماً لم يكتب خلالها سوى نص مسرحي واحد هو «الاغتصاب».

مخرجون وعروض

أشار ونوس إلى أنه مع منتصف الثمانينات التي تزامنت مع فورة الأعمال التلفزيونية، بدأت ظروف العمل المسرحي في سورية تتدهور؛ فقد أصبح اختيار وتجميع عدد من الممثلين وإجراء البروفات على عرض مسرحي لأشهر عدة متواصلة أمراً بالغ الصعوبة، وغدت مسألة ترك الممثل للبروفات وانضمامه إلى مسلسل تلفزيوني أمراً مألوفاً، مهما كان طول الفترة التي قضاها في هذه البروفات، خصوصاً في ظل غياب أي عقد يلزمه بمواصلة هذه البروفات حتى الخروج بالعرض المسرحي إلى العلن. فإغراء التلفزيون لا يقاس ببؤس الأجر الذي يتقاضاه عن عمله في المسرح، خصوصاً إذا علمنا أن معظم الممثلين ينحدرون من فئات اجتماعية فقيرة، أتوا من محافظات وأرياف مختلفة لدراسة التمثيل وعينهم على التلفزيون، حيث المال والشهرة والنجومية.

وخلص ونوس إلى أن هذه التحديات جميعاً لن تؤثر في مسرح متقدم متطور فنياً وفكرياً، مرتبط بقضايا المجتمع، يعالجها ويضعها على بساط البحث أمام الجمهور، ويفتح فضاءات للحوار الذي ينطلق من الخشبة إلى الصالة متغلغلاً في ثنايا المجتمع، ومن الطبيعي القول إن مسرحاً كهذا لا يمكن أن يرى النور في ظل استمرار سيطرة العقليات والمعايير الرقابية القائمة.

الأكثر مشاركة