«مغني» أبوظبي.. إعلان مولد مخرجة إماراتية
ليست الأولى بل هي الثالثة، تصحيح حرص على إيراده مؤلف مسرحية «المغني» الفنان عمر غباش في ما يتعلق بترتيب مخرجته الشابة شيخة الحوسني بين المخرجات الإماراتيات حسب التسلسل الزمني لمولد إبداعاتهن على الخشبة، عقب عرض العمل الذي استضافته مساء أول من أمس خشبة مسرح ندوة الثقافة والعلوم خلال اليوم الثاني من فعاليات مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورته الرابعة الممتدة حتى الـ20 من الشهر الجاري، وتتنافس على جوائزها ثمانية أعمال مختلفة، وهو الحدث المسرحي الذي يشهد عودة مسرح أبوظبي للإبداع والمشاركة في الحراك المسرحي بالدولة.
التأكيد على الترتيب الذي حرص على الإشارة إليه أيضاً عدد من الفنانين الذين تابعوا المسرحية لم يكن دلالة على ندرة الحضور الأنثوي في هذا الفن المسرحي المهم بقدر ما حمل انبهاراً بمولد الحوسني مخرجة دون أن يتردد اسمها في أعمال سابقة شأن سائر المشاركين في المسرحيات التي يحتفي بها المهرجان، وكان جل خبرة المخرجة بالخشبة شأنه شأن عدد من المشاركين في المسرحية، دورة صيفية للتدريب على بعض الفنون المسرحية نظمها في يونيو الماضي مسرح دبي الشعبي، ولفتت حينها «الإمارات اليوم» إلى تطلع الحوسني إلى الإخراج والكتابة، وابتعادها عن التمثيل، رغم هوايتها له، لأسباب اجتماعية.
رغم ذلك حملت مسرحيتها «المغني» تخلصاً واضحاً من مخاضات البداية الأولى، وتمكنت الحوسني التي تزاوج بين هوايتها للمسرح وإنجاز رسالة الماجستير في الأدب والنقد، من انتزاع وصايا نقدية بعد العرض وُجهت بشكل خاص للفنان عمر غباش المشرف العام على العمل ومؤلفه، مفادها «حافظوا على هذه الموهبة وادعموها»، رغم أن الندوة التطبيقية شهدت أيضاً آراء تؤشر إلى عدم نضج تجربة الحوسني الإخراجية، وافتقادها القدرة على ابتعاث وتحريض الطاقات التمثيلية للممثلين بشكل خاص، في الوقت الذي رأى الفنان بلال عبدالله إشكاليات عديدة في تعاملها مع مفردات العمل، سواء في ما يتعلق بالإضاءة أو المؤثرات الصوتية والفضاء المسرحي بشكل خاص، إلا أن أسرة «المغني» بشكل عام، ومخرجته وأحد الممثلين الرئيسين وهو زكريا أحمد بشكل خاص، حازت إشادات ملحوظة من المتابعين للمسرحية، فضلاً عن عازف آلة العود عبدالرحمن عيسى.
| نصف المسرح
ارتجل المذيع بقناة «سما دبي» الفضائية إسماعيل شيباني في مداخلته خلال الندوة التطبيقية تعبيراً موحياً في سياق طموحات جذب المرأة للإبداع المسرحي، مشيراً إلى أن «المرأة كما هي نصف المجتمع، يجب أن تكون نصف المسرح»، لافتاً إلى تجاور ثلاث شخصيات نسائية في قاعة الندوة ضمن سياق حدث واحد، إحداهن أول من جسدت دوراً نسائياً على الخشبة الفنانة موزة المزروعي، وإلى جوارها الفنانة مريم سلطان الملقبة بأم المسرحيين، فيما اعتلت المنصة المخرجة العشرينية الشابة شيخة الحوسني. من جهته، توقع الفنان عمر غباش أن تشكل إبداعات الحوسني في المرحلة المقبلة إضافة نوعية لتجربة إخراجية جديدة للمسرح الإماراتي، مشيراً إلى أنه لم يتردد في منح المخرجة الشابة نص «المغني»، متوقعاً في السياق ذاته أن تنضج تجربة الحوسني في مجال إبداع النصوص الدرامية أيضاً سواء للتلفزيون أو المسرح. |
ساحة مثالية
لم يشعر المشاهد بإرباك في العرض أو افتقاد المخرجة بسبب حداثة تجربتها القدرة على تحريك تفاصيل المشاهد والربط بين عناصر ومفردات العمل، بل وجد فضاء فسيحاً على الخشبة كان ساحة مثالية لفعل مسرحي بدا واضحاً ومباشراً في طرح رؤى ومفاهيم محددة حول علاقة المجتمع بالمعاق من خلال خطين متوازيين أحدهما حقيقي وآخر متخيل أو حالم، وهي ثنائية تستمر أيضاً في ضدية الخير والشر اللذين استعانت بجمعهما المخرجة لمزيد من جلاء المقولات التي تسعى إلى توكيدها بالفعل المسرحي، من خلال نموذجين لأسرتين إحداهما تهتم بالمعاق وأخرى يفتقد فيها الأخير هذا الاهتمام أيضاً في سياقي الواقع والمتخيل، وفي حين مثلت شخصية «حمد» المعاق التي جسدها يعقوب علي، أنموذج الخير الفطري رغم سلبية انقياده إلى هواجسه وإيحاءات الآخرين، كانت شخصية «سعيد» التي أداها زكريا أحمد هي المعادل الموضوعي لحضور الشر بتحريضها الدائم لحمد على قتل غريمه على قلب محبوبته «علياء»، وهي الثنائية التي تستمر أيضاً من خلال نموذج الأم في سياقي الحقيقة والحلم.
وعلى الرغم من التصفيق والإشادة التي صاحبت أداء زكريا، لاسيما في بعض «القفشات» الكوميدية، إلا أن أداء يعقوب علي أيضاً كان لافتاً ومبشراً بخامة فنية جيدة، لاسيما على صعيد الأداء الحركي، واتساقه على نحو مبهر بالحالة النفسية للشخصية، وتطور الأحداث، فيما كانت الممثلة الشابة زينب عبدالله التي تعد إحدى ثمار الدورة التدريبية الصيفية أيضاً إحدى الحلقات الأساسية بأداء سهل في عدم إحساس المشاهد بتجاوزات التجربة الأولى التي ضمت أيضاً فنانين خلف خشبة المسرح مثل عائشة المدني التي تخرجت في الدورة نفسها، وكانت عريفة حفل التخرج حينها.
المؤثرات الصوتية كانت مفتاحاً جوهرياً لتخطي الفعل المسرحي حاجز المشاهدة وانفعال المشاهد به، وكان العود في كثير من الأحيان فاضحاً لما يختلج صدر الشخصية الرئيسة «حمد» التي كانت تضع المشاهد أحياناً في أجوائها العاطفية من خلال إنشاد الشعر، ساعدها على ذلك إضاءة تم الاشتغال على تأثيراتها بشكل جيد من قبل الفنان إبراهيم حيدر، ومثل تآلفهما معاً أحد الحلول الإخراجية السهلة التي لم تجد الحوسني صعوبة كبيرة في استثمارهما، ليشكل كل من حيدر وعبدالرحمن عيسى عازف آلة العود، وأيضاً الفنان محمد مالالله المشرف على الموسيقى في العمل أحد البقاع السحرية التي تلجأ إلى ساحاتها المخرجة كلما قادها سياق الفعل المسرحي إلى مأزق ما.
اللباس الوطني
في السياق ذاته، غاب اللباس الوطني للمرة الثانية في العروض المسرحية لمهرجان الشباب، باستثناء شخصية وحيدة بعيدة عن الحدث المحوري هي شخصية «راشد»، بعدما غابت بشكل تام في مسرحية الافتتاح «السرداب»، وهو تقليد مسرحي بدأ يتعمق اعتماده في معظم المسرحيات المشاركة في مهرجان الشباب، وهو أمر يبدو أنه سيكون محل توصية من قبل لجنة التحكيم التي سبق أن نوهت في دورات سابقة بأهمية الحفاظ على العربية الفصحى خالية من الأخطاء، أو اللجوء للهجة الإماراتية الخالية من الألفاظ الدخيلة أيضاً في النص المسرحي.
| النابودة: نحو الاحترافية
أكد الرئيس التنفيذي للمشاريع بهيئة دبي للثقافة والفنون، سعيد النابودة، أن المهرجان بالفعل تخطى التعويل على مجرد اجتذاب أكبر شريحة من المواهب المسرحية الشابة، متجهاً لتأسيس مشاركة احترافية تثري النشاط المسرحي في الإمارات، كاشفاً أن «التنسيق مع لجنة التحكيم دعم هذا الاتجاه، الذي أكده أيضاً تواتر ارتفاع أعداد الحضور بشكل ملحوظ، مقارنة بالدورات السابقة من المهرجان». وأبدى النابودة إشادته بالأعمال المسرحية المشاركة، كاشفاً عن آليات دعم عديدة للمواهب الشابة بالتنسيق مع الفعاليات الثقافية المختلفة بالدولة، على رأسها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وجمعية المسرحيين بالدولة، متوقعاً في السياق ذاته تنامي الاعتماد على أعمال مسرحية شابة، أسوة بتمثيل مسرحية «عنبر» للإمارات في مهرجان المسرح العربي عقب حصولها على جائزة أفضل عمل متكامل في دورة المهرجان الثانية، فيما تستعد مسرحية «المسرحية» التي حصدت الجائزة نفسها في الدورة السابقة لتمثيل الإمارات في مهرجان الخليج لمسرح الشباب، مروراً بمشاركات لأعمال أفرزها المهرجان في فعاليات ثقافية بالأردن وسورية وغيرهما. |
الندوة التطبيقية التي أدارها الزميل حسام ميرو الصحافي بجريدة «الخليج» وتحدثت فيها بشكل رئيس مخرجة «المغني» شيخة الحوسني ومؤلف نصه الفنان عمر غباش، حظيت بكثير من الانضباط والآراء التي حمل أصحابها هم حفز وتشجيع التجارب الغضة بعيداً عن انتقادها، فيما لم يتردد الفنان بلال عبدالله في الإشارة إلى أن النص لم يكن بالمستوى الجيد، مستدركاً «عمر غباش صديقي وكاتب وفنان استثنائي، لكنني لا أخجل من أن أسجل رأيي بأنه لم يكن موفقاً في هذا النص»، وهو ما حفز المخرجة في ختامها لتؤكد على مسامع الجميع أن «المغني» هو أولى خطواتها وليس آخرها.