«خامس المواسم».. مجسمات مجرّدة من الإيقاع الكوني
خرج التشكيلي السعودي زمان جاسم، عن إطار اللوحة المربعة، وكذلك المستطيلة، ليقدم ألوانه عبر مجسمات ثلاثية الأبعاد تكاد تشبه النحت في حجمها وشكلها. وعلى الرغم من اهتمام جاسم بالأحجام، فإنه حافظ على مرتبة اللون في العمل أساساً جمالياً قادراً على إبراز كلاسيكية وتقنيات الرسم من ناحية، وكذلك الموازنة بين الفكرة والجمال من ناحية أخرى. وتجمع أعمال السعودي التي قدمها في معرضه الذي افتتح أخيراً في «كورت يارد غاليري» في دبي، بين الحداثة من حيث التعاطي مع الخامات، والكلاسيكية في التعامل مع أصول الرسم فناً يجب أن يقدم الجمال من دون أن يرتبط بالإيقاع الكوني، أي بتجـريده مـن الزمان والمكان.
معالجات
أكد الفنان السعودي زمان جاسم أن اعتماده على الألياف الزجاجية مادة أساسية لمجسماته مرّ بالكثير من التجارب، لأنه لا يمكن للفنان أن يطبق أي فكرة تخطر بباله من دون أن يختبرها كمادة تدوم لسنوات. ولفت إلى أن العمل الفني يجب أن يعيش سنوات طويلة، وبالتالي أن أي خامة يجب أن تمر بتجارب مخبرية سابقة تضمن ديمومتها. وقد عالج جاسم الألياف الزجاجية من خلال الأوراق والباتكس، وبالتالي باتت قادرة على امتصاص اللون.
وتنوّعت المناخات في أعمال جاسم الـ،40 لاسيما أن المعرض حمل عنوان «خامس المواسم»، فكان واضحاً وجود أجواء خرج من خلالها الفنان عن فصول السنة التي نعرفها، ليقدم لنا فصله الخامس الجديد الذي لا يعرف التتابع أو التكرار الفلكي. وعلى الرغم من تكرار بعض الأشكال المربعة أو المخروطية أو شبه المخروطية التي بدت وكأنها لوحات ملفوفة، فإن جاسم قد حرص على عدم ثبات أشكاله وخطوطه اللونية في كل عمل ليكسر الملل الذي قد يولده التكرار. وقد منح الفنان السعودي لوحاته حيثيات تأخذ من معظم فصول السنة، فاستخدم الألوان الباهتة مع الصارخة، مكوناً بذلك حالة وجودية خاصة متمثلة في خطوطه المائلة ومعتمدة بالدرجة الأولى على الخيال.
وقدم جاسم خامس فصوله في المعرض الذي يستمر حتى 10 أبريل المقبل من مادة الألياف الزجاجية، وطبعاً بعدما أخضعها للمعالجة، الأمر الذي يدل على عدم قبول الفنان بسطحية التعامل مع اللون أو الخامات العادية، فأخذه التحدي إلى ابتكار جديد وغير مألوف في التشكيل. وعلى الرغم من اعتماده على هذه الخامة، وكذلك على الخامات المختلفة (اكريليك - ألوان زيتية ومائية)، فإنه لم يبعد اللوحات التقليدية المرسومة على القماش عن معرضه، غير أنها حملت أفكاراً مغايرة عن مجسماته التشكيلية، فقد تميّزت بغلبة الألوان الفاتحة والفاقعة التي نادراً ما يمكن أن نراها ممزوجة بتآلف مع بعضها بعضاً، ولاسيما اللوحات التي شملت البرتقالي والبنفسجي والأصفر.
وقد ركز جاسم في أعماله على الزخارف، ولاسيما المستوحاة من الأقمشة، بالإضافة إلى الحروف والبقع والوشم والأختام التي شكلت مقاطعاً تسبح في فضاء اللوحة ولا يمكن أن تنسلخ عن شمولية العمل الفني.
وقال جاسم عن رحلته الفنية: «أعتبر أني انطلقت فعلياً في الفن حين بدأت معارضي في عام ،1997 إذ تمكنت بعد ذلك من تحقيق الأشياء المهمة ومنها الجوائز». أما الهدف من المعرض، فوفقاً له، «إقامة حالة موازنة، فهناك كثير من الفنانين خطوا خطوات في الحداثة وابتعدوا عن جماليات الفن، وبالتالي أصبح يمكن لأي شخص أن يكون فناناً». وأضاف أن «العصر الذي نعيش فيه بالنسبة لي مازال غير معرّف، ولا يمكن تحديد ملامحه إلا بعد سنوات، وأن الأجيال المقبلة ستمنحه الصفة الأساسية، تماماً كما حددنا عصور النهضة وغيرها، وبالتالي ان خامس المواسم هي فكرة أريد من خلالها أن أوازن بين الكلاسيكية وجمالية الفن». ولفت جاسم إلى أن الاتجاه المعاصر حالة طبيعية في الفن، لأن العصر تغير ولا يمكن أن نطالب بالعودة إلى الماضي، لأن العودة تعني التكرار، فطالما أن الجيل الماضي خلق تراثاً خاصاً به علينا أن نسعى إلى خلق وعي آخر وتراث جديد، لأنه لا يمكن أن ننسخ أعمالاً بنيت على وعي ثقافي يختلف كلياً عن الذي نعيشه اليوم.
وأضاف جاسم أن «أعمالي تركز على الزخارف الموجودة في الملبوسات القديمة، أما الحروف فإني أتعامل معها روحاً وليس خطاً، لأن ما أهتم به هو جمالية الحروف في اللوحة وليس التقنية التي يجب أن يكتب بها».