كل هذا الدم المراق

 بعد الانتهاء من القتل !هل تنتهي الحروب فعلاً؟ وإلى أين يذهب كلّ هذا الدم المراق؟ مات الذين ماتوا، لكن ماذا حلّ بالذين اجتثّت أطرافهم وأحلامهم، وأولئك الذين رموهم بتلك القنابل التي تركت سمومها في الأجساد لتموت ببطء؟ لا تعرف الدولة العبرية كيف تتخلّص من الشعب الفلسطيني المتمسك بإصرار بجذور أرضه. على مرأى من العالم كلّه، يجمع قادة إسرائيل شعباً كاملاً داخل سجن كبير. يسوّرون إقامته بالجدران العالية. يحرمونه من الماء والكهرباء. يدفعونه نحو البطالة والعطش والجوع. يذلونه عند المعابر. يفعلون كل ما يحيل حياته يأساً عظيماً. ثم ينقضّون عليه بأحدث الطائرات والدبابات ويقصفونه بحراً وبراً وجواً، بصورة هستيرية مروّعة.

نعرف أنّ إسرائيل لا تولي اهتماماً بحياة الفلسطينيين، لكن ألا تفكّر لحظة واحدة في مستقبل مواطنيها في العقود الآتية؟ ألا تخشى عليهم من ردود الأفعال ومن الغضب الكبير الآتي؟ الدولة التي لا تتردد في قتل الأطفال بالمئات ألا تخشى من ارتدادات القتل على أبنائها؟ من جهة ثانية، هل بإمكان الدول التي أمعنت بالأمس في قتل اليهود وإبادتهم، هل بإمكانها أن تغطّي إلى ما لا نهاية جريمة بجريمة أخرى؟ ألا تفكّر تلك الدول بمصير إسرائيل نفسها إذا ما تغيّر يوماً مسار التاريخ وتغيّرت معه موازين القوى؟ وحتى لو لم يتغيّر شيء، ألا تنتبه إلى ما يمكن أن يسفر عنه الاستمرار في إذلال الآخر ورفض حقه في الوجود؟

موقف المثقّفين

رد فعل المثقفين الغربيين، باستثناء بعض التحركات والتظاهرات والبيانات، لم يكن على المستوى المطلوب، خصوصاً في فرنسا. الصمت مريع لولا بعض الأصوات التي تجرأت وأدانت العدوان الإسرائيلي، وثمة أصوات أخرى طالبت بالتدخل الإنساني العاجل على الأقل، ومنها المفكر ريجيس دوبريه والممثلة كارول بوكيه. أما الأصوات التي حضرت في وسائل الإعلام الفرنسية فهي الأصوات نفسها دائماً ومنها أصوات من سُمّوا بالفلاسفة الجدد ومنهم أندريه غلوكسمان وبرنار هنري ليفي الذي سبق له، في افتتاحيته في مجلة «لوبوان» الفرنسية، أن اتهم الفلسطينيين بمقتل محمد الدرة مستنداً في كلامه إلى مصادر الجيش الإسرائيلي.

الفيلسوف الآخر، ألن فنكلكروت، الذي لم نسمع صوته كثيراً في الآونة الأخيرة، تقتصر مهمته على انتقاد كلّ من ينتقد إسرائيل، حتى لو كان المنتقدون إسرائيليين. ألم ينتقد الرئيس السابق للكنيست الإسرائيلي أبراهام بورغ معتبراً أنه «يتحدث عن إسرائيل كأحد أعدائها الأوروبيين»، وذلك لأن بورغ وصف سياسة إسرائيل بالسياسة الاستعمارية وبأنها لا تحترم القوانين.

اللافت أن بعض الكتّاب والمثقفين الغربيين والعرب كانوا يزايدون على أصوات بعض السياسيين والمثقفين الإسرائيليين أنفسهم في الدفاع عن حرب إسرائيل واعتبارها مجرد حرب ضد حماس. لكن، فيما وقف الإسرائيليون، في غالبيّتهم، إلى جانب الجيش الإسرائيلي في حربه ضدّ غزّة، طالعتنا أصوات أخرى قليلة، من داخل إسرائيل، تدعو إلى إيقاف العدوان، من هذه الأصوات المؤرخ الإسرائيلي توم سيجيف الذي اعتبر أنّ الهجوم ضد غزة لا يستدعي فقط الإدانة الأخلاقية، بل يتطلّب إعادة نظر شاملة في بعض المسائل التاريخية المهمّة. ولاحظ أن المنطلقات التي تدفع إسرائيل دائماً إلى شنّ مثل هذه الحروب إنما تنطلق من معطيات خاطئة. يقول سيجيف: «إسرائيل تقصف الفلسطينيين لتلقّنهم أمثولة. نظرية الأمثولة هذه رافقت المشروع الصهيوني منذ البداية، حين اعتقدنا أننا نحن من يمثّل التقدم وعصر الأنوار، العَقلانية المميّزة والأخلاق، بينما العرب ليسوا سوى شعب بدائي عنيف ويحتاج إلى تربية». ويضيف المؤرّخ الإسرائيلي: «يقولون إنّ هدف الهجوم الأخير هو تصفية نظام حماس وإنّ معاناة المدنيين الفلسطينيين ستؤدي، بالضرورة، إلى وقوف هؤلاء ضد زعمائهم. غير أنّ هذه الفكرة كانت خاطئة.. كل حروب إسرائيل انطلقت من فرضية مفادها أننا لا نقدم على الحرب إلا لحماية أنفسنا، كأن قطاع غزة ليس محاصَراً ذاك الحصار الذي دمّر حياة جيل كامل من الفلسطينيين».


تنشر بالتزامن مع جريدة «السفير» اللبنانية

طباعة