هيثم حقي: جيل الرواد لم يكونوا جميعاً مثقفين. أرشيفية

هيثـم حقـي: أحلـم بيوم تختفـي فيـه الرقابة

بعدما أنهى دراسته للسينما، خاض المخرج السوري، هيثم حقي، تجارب سينمائية قليلة، ولعله أيقن صعوبة السينما في سورية، في ظل ظروف إنتاج تتولاها مؤسسة وحيدة هي المؤسسة العامة للسينما، لتعمل فيلماً أو اثنين في العام، فاختار العمل في إطار المسلسلات التلفزيونية، لكنه ظل على وفائه للسينما، مرة عبر المطالبة النظرية «البحث والكتابة» بدأب بلغة سينمائية راقية في التلفزيون، ومرة عبر التعاطي مع العمل التلفزيوني نفسه كما لو كان مشروعاً ثقافياً بإمكانه أن يثير الجدل والنقاش على أوسع المستويات، والحق ان كان له ذلك، مع أعمال كـ«خان الحرير»، و«الثريا» و«سيرة آل الجلالي»، وقد كانت تعقد لهذه الأعمال ندوات ومحاضرات لم تنلها أفلام سينمائية. لكن حقي يعود إلى السينما أخيراً، وقد قدم فيلمه «التجلي الأخير لغيلان الدمشقي» في عرض خاص في دمشق، يعود حقي إلى السينما، كما أنه أحد الذين كرمهم مهرجان دمشق السينمائي.

وقال حقي «ما كنت أطلبه من العمل التلفزيوني، وما أزال، هدفه توصيف اللغة التي تصنع بها الدراما التلفزيونية «السائدة» أو الطليعية، لا فرق، أعني اللغة السينمائية. وهذا الأمر كان له الأثر الكبير برأيي في ما وصلت إليه هذه الدراما. فعندما لم تعد تعتبر محدودية لغتها الفنية ميزة تلفزيونية بل لغة سينمائية بدائية، انطلقت إلى آفاقها الجديدة وتمكنت من الارتفاع بسوية لغتها السينمائية».

وأكد حقي أنه خاض الكثير من التجارب السينمائية ليس فقط من خلال تجاربه المعروفة بل في أعماله التلفزيونية وأضاف «أعتقد أن لدى البعض نقصاً في المعلومات عدا نقص في المتابعة والرؤية الحِـرَفية. إن الكتابة عن مشروعي السينمائي لم تغب يوماً عن كتاباتي منذ السبعينات حتى اليوم، ويكفي لمن يريد الاطلاع عليها قراءة كتابي «بين السينما والتلفزيون». لكنني كثفت جهودي وكتاباتي في السنوات الـ 10 الأخيرة، للحديث عن أزمة السينما في سورية، ودخلت في نقاشات حول هذه الأزمة وطالبت بإلغاء مرسوم حصر الاستيراد، فسورية تحتاج إلى الصناعة السينمائية لتكمل ما بدأته في الدراما التلفزيونية». وأضاف «أحس أننا اليوم نشبه ما كنا عليه منذ 20 عاماً، حين قلت، وأنا أنتج مسلسلي «دائرة النار»، إننا نستطيع أن نقيم صناعة تلفزيونية ولدينا كل المؤهلات لذلك، ثارت زوابع من التشكيك والسخرية وفي أحسن الأحوال الترقب الحذر»، وأشار الى سعادته بما وصلتْ إليه الدراما التلفزيونية السورية كماً ونوعاً. وسعيد بتجربة حاتم علي، وما قدمه شوقي الماجري في «أسمهان» هذا العام. كما «أنني فخور بمجموعة المخرجين الشباب الذين عمل معي بعضهم لفترات طويلة وأخص منهم: سيف الدين سبيعي، والمثنى صبح، والليث حجو، وإيناس حقي. أما أنني غائب كمخرج، فهذا سببه انشغالي بالأفلام، لكنني حاضر وبقوة، على ما أظن، بمجموعة المسلسلات التي أنتجتها من خلال إدارتي لشركة Reelfilms وهي في العام الماضي ثلاثة مسلسلات: «الحصرم الشامي ١»، «زمن الخوف»، و«فجر آخر». وهذا العام أنتجنا «الحصرم الشامي 2»، «أولاد القيمرية» بجزأيه، وسلسلة «أناشيد المطر» المؤلفة من ثلاثة مسلسلات.

رقابة

وعن تجربته مع الرقابة، أشار حقي الى أنها مؤلمة «فمنذ البدايات منعت الرقابة فيلمي القصير «السد»، ولم يعرض إطلاقاً. وتعرضت أول سهرة تلفزيونية لي «قبل الزواج» للمنع لفترة قبل إجازتها. وكذلك الحال مع فيلمي الطويل «ملابسات حادثة عادية» ومسلسل «الوسيط». وتم تأجيل عرض مسلسل «عز الدين القسام» سنوات. أما «خان الحرير» فظل حبيس أدراج الرقابة لمدة سنــتين قبــل أن تفرج عنه الرقابة بعد مفاوضــات طويلة. أما ما تعرض له الجزء الثاني من «خــان الحــرير» من قص وقطع فهو ينتمي إلى اللامعــقول أكثر من انتمائه للواقع. ولم توافــق الرقــابة على عرض مسلسل «الحصرم الشــامي 1» كما تم تشويه مسلسل «زمن الخوف» بتقطيع أوصاله في عرضه على الأرضـية المحــلية. ولا بد لي من القول إنني ضد وجود الرقابة عموماً. وأحلم باليوم الذي تختفي فيه الرقابة نهائياً. فلا رقابة جيدة ورقابة سيئة. فكرة وجود الرقابة هي سيئة بحد ذاتها».

ونفى حقي ان يكون مع إلغاء المؤسسة العامة للسينما داعٍ الى إلغاء طابعها الاقتصادي، ودعمها بميزانيات تسمح لها بإنتاج خمسة أفلام طويلة في العام، و10 أفلام قصيرة وأن تعطي الأولوية أساساً لتقديم فرصة العمل الأول والثاني للسينمائي، كما في التجربة الإيرانية. وأكد «على المؤسسة العامة للسينما تقديم الدعم والخدمات المجانية للقطاع الخاص ليقوى عوده وتصبح لديه الإمكانات التي لا يملكها أحد في سورية غير القطاع العام وهو أمر ليس غريباً ولا من باب الخيال. فقد قدّمت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي المعدات لشركات القطاع الخاص الوليدة، لأن الهيئة حينها كانت الجهة الوحيدة التي تملك المعدات. وقد ساعد هذا على قيام صناعة درامية تلفزيونية هي بحق فخر الصناعة السورية. لكنني بالمقابل أطالب بمشروع عمره أكثر من 30 سنة ألا وهو مشروع إنشاء المجلس الوطني للسينما الذي يتبع له الصندوق الوطني للسينما. وهو مشروع متكامل قُدّم مرات عدة، وتحقيقه سيشكل دفعة قوية لنهوض صناعة سينمائية سورية، وقد استُفيد فيه من تجربة الدعم الأوروبية، وخصوصاً الفرنسية، لصناعتها السينمائية الوطنية».

مخرج منفذ  

قال المخرج السوري، يحيى حقي، ن تحول المخرجين المنفذين الذين احتلوا مقعد المخرج ليس ظاهرة سلبية، فالاسماء التي ظهرت أخيراً تمثل شباب الدراما السورية. وأعني سبيعي، وحجو، وصبح، وإيناس حقي، تحديداً. ولأنهم كانوا مخرجين منفذين لا ينقص من مكانتهم شيئاً فهؤلاء دخلوا ميدان العمل الإخراجي كسكريبت ومساعدين وحتى كلاكيت وتدرجوا في العمل حتى وصلوا إلى كرسي الإخراج. وقضى بعضهم مدة تعادل ضعف مدة دراسة الإخراج في المعاهد. والسبب هو أنه ليس لدينا المعهد الذي يخرّج كوادر في السينما والتلفزيون. وقد لجأ هؤلاء في الأساس للعمل معي ضمن مشروع تدريبهم ليصبحوا مخرجين في المستقبل. وقد تقبلت هذه المهمة بطيب خاطر. وكنت أشرح ما أعمله لهم. ومن كان يشاهدنا أثناء العمل كان يستغرب كيف كنت أجلس معهم، حين يطلبون، وأشرح «الميزانسينات والتقطيع وتفسير المشهد وزوايا الكاميرا» إلخ. أما مسألة الثقافة، فلم يكن كل جيل الرواد من المثقفين، وليس هذا الجيل بعيداً عن الثقافة، فلكل مجتهد نصيب».


تنشر بالتزامن مع جريدة «السفير»

الأكثر مشاركة