قصة «الأوديسة» تعد من أكثر الأعمال الأدبية تأثيراً في الحضارة الغربية. من المصدر

من «أوبنهايمر» إلى «الأوديسة»..كريستوفر نولان يستعيد أعظم ملاحم التاريخ

منذ اللحظة التي أعلن فيها المخرج البريطاني الشهير، كريستوفر نولان، عن مشروعه الجديد «The Odyssey - الأوديسة»، تحولت صناعة السينما العالمية إلى حالة من الترقب غير المسبوق، فالرجل الذي أعاد تعريف أفلام الخيال العلمي في «Interstellar»، وغيّر قواعد أفلام الأبطال الخارقين مع «The Dark Knight»، ثم حصد الأوسكار عبر «أوبنهايمر»، يضع هذه المرة يديه على واحدة من أقدم وأعظم الملاحم الأدبية في التاريخ: ملحمة هوميروس، التي كُتبت قبل أكثر من 2700 عام، في محاولة لتحويلها إلى تجربة سينمائية حديثة لم يسبق لها مثيل.

يُنتظر أن يُعرض الفيلم عالمياً في 17 يوليو المقبل، ليكون أحد أكبر أحداث السينما المنتظرة هذا العام، وسط توقعات بأن يتحول إلى ظاهرة جماهيرية ونقدية قد تتجاوز حتى النجاح الذي حققه «أوبنهايمر».

قصة «الأوديسة» ليست جديدة على الجمهور، لكنها تُعد من أكثر الأعمال الأدبية تأثيراً في الحضارة الغربية، فهي تحكي رحلة الملك الإغريقي أوديسيوس، الذي يحاول العودة إلى جزيرته إيثاكا بعد انتهاء حرب طروادة، ليخوض رحلة تمتد 10 سنوات يواجه خلالها العمالقة، والوحوش، والعواصف البحرية، والإغراءات والأساطير، في رحلة لا تتعلق بالعودة إلى الوطن فقط، بل بالبحث عن الهوية والإنسانية والإرادة في مواجهة القدر.

من يعرف أسلوب كريستوفر نولان يدرك أن الفيلم لن يكون مجرد إعادة سرد للأسطورة الإغريقية، بل معالجة فلسفية معقدة تتجاوز الحكاية التقليدية إلى أسئلة الزمن والمصير والإيمان والسلطة والوجود الإنساني، وهي الموضوعات التي طالما شغلت أفلامه السابقة.

يجمع الفيلم كوكبة من نجوم هوليوود، يتقدمهم مات ديمون في دور أوديسيوس، إلى جانب توم هولاند وآن هاثاواي وروبرت باتينسون وزيندايا ولوبيتا نيونغو وتشارليز ثيرون، في واحد من أقوى التجمعات التمثيلية في السنوات الأخيرة، كما يتولى الموسيقار السويدي لودفيغ غورانسون تأليف الموسيقى التصويرية، بينما يعود مدير التصوير الهولندي هويته فان هويتيما للتعاون مع نولان بعد نجاحاتهما السابقة.

وما يجعل «الأوديسة» مختلفاً عن بقية الإنتاجات الضخمة هو الجانب التقني، فالفيلم يعد أول عمل روائي طويل يتم تصويره بالكامل بكاميرات «IMAX 70mm» الحديثة، وهي تقنية طورت خصيصاً لتسمح بالتصوير الحواري بهذه الجودة العملاقة، في خطوة يرى كثير من المختصين أنها قد تغير مستقبل صناعة الأفلام الملحمية، وقد جرى التصوير في مواقع طبيعية متعددة حول البحر المتوسط وشمال إفريقيا، بعيداً عن الاعتماد الكامل على الاستوديوهات والمؤثرات الرقمية، وهو النهج الذي يفضله نولان منذ سنوات.

وتشير التقديرات إلى أن ميزانية الفيلم تجاوزت نحو 250 مليون دولار، لتصبح الأعلى في مسيرة نولان السينمائية، وهو ما يعكس حجم الرهان الذي تخوضه شركة «يونيفرسال» على المشروع، خصوصاً بعد النجاح التجاري والنقدي الكبير الذي حققه «أوبنهايمر».

الحماسة الجماهيرية للفيلم ظهرت قبل عرضه بوقت طويل، إذ حطم الإعلان الرسمي أرقاماً قياسية في عدد المشاهدات خلال أول 24 ساعة، بينما شهدت تذاكر عروض IMAX إقبالاً استثنائياً أدى إلى نفاد عدد كبير منها، وظهور عمليات إعادة بيع بأسعار مرتفعة، في مشهد يعكس حجم الترقب الذي يحيط بالفيلم قبل أسابيع من طرحه.

ورغم هذا الزخم، فإن «الأوديسة» يواجه أيضاً تحدياً كبيراً، فالنقاد يتساءلون عما إذا كان نولان قادراً على تحويل نص شعري كلاسيكي بالغ التعقيد إلى فيلم جماهيري يمكن أن يتابعه المشاهد العادي بسهولة، أم أنه سيقدم عملاً فلسفياً يحتاج إلى أكثر من مشاهدة لفهم طبقاته المختلفة، كما حدث مع «تينيت» و«إنسبشن».

بعض اختيارات الأزياء والشخصيات أثارت نقاشات مبكرة بين المؤرخين وعشاق الأساطير الإغريقية، مع اتهامات بوجود تجاوزات تاريخية في التصميم، إلا أن فريق العمل أكد أن الفيلم لا يسعى إلى تقديم وثيقة تاريخية، بل رؤية سينمائية حديثة لأسطورة خالدة.

ويرى كثير من المحللين أن الفيلم قد يصبح المنافس الأبرز على جوائز الأوسكار المقبلة إذا نجح في تحقيق التوازن بين الضخامة البصرية والعمق الدرامي، خصوصاً أن نولان بات يمتلك مكانة استثنائية في هوليوود، وأصبح اسمه وحده قادراً على جذب الجمهور إلى صالات السينما، في زمن تهيمن فيه منصات البث الرقمي.

أعظم القصص الإنسانية

بين الرؤية الفنية الجريئة والإنتاج الضخم والطاقم الاستثنائي والتكنولوجيا الجديدة، يبدو أن «الأوديسة» ليس مجرد فيلم جديد، بل محاولة لإعادة إحياء واحدة من أعظم القصص الإنسانية على الشاشة الكبيرة، ويبقى السؤال الذي يشغل عشاق السينما حول العالم: هل سينجح كريستوفر نولان في صنع تحفة جديدة تضاف إلى إرثه، أم أن طموحه هذه المرة سيكون أكبر من أن تحتويه الأسطورة نفسها؟

الأكثر مشاركة