المنافسة على سعفة «كان» الذهبية بدأت: السينما فعل مقاومة ثقافية وإنسانية يتجاوز الحدود واللغات

مع انطلاق الدورة الـ79 من مهرجان «كان» السينمائي، بمشاركة نخبة من نجوم وصناع السينما في العالم، يعود الحدث الأبرز في عالم الفن السابع ليؤكد مجدداً مكانته بوصفه المنصة الأكثر تأثيراً في صناعة السينما العالمية، والمرآة التي تعكس تحولات هذا الفن وقدرته الدائمة على مساءلة الواقع وإعادة صياغته بصرياً وإنسانياً، وعلى امتداد 10 أيام، تتحول مدينة «كان»، الواقعة على الريفييرا الفرنسية، إلى عاصمة للسينما، حيث تتلاقى أسماء كبرى من مختلف أنحاء العالم في احتفال استثنائي يجمع بين البريق الفني والنقاش الثقافي والمنافسة الإبداعية على أرفع جوائز المهرجان، وفي مقدمتها السعفة الذهبية.

افتتحت الدورة الجديدة برسالة واضحة تؤكد أن السينما ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل فعل مقاومة ثقافية وإنسانية يتجاوز الحدود واللغات والانتماءات. هذا المعنى شكل المحور الأساسي لحفل الافتتاح الذي جمع اثنتين من أبرز نجمات الشاشة العالمية، الصينية غونغ لي والأميركية جاين فوندا، في لحظة احتفائية حملت الكثير من الرمزية. فوندا شددت في كلمتها على أن السينما ظلت عبر تاريخها وسيلة لرواية القصص التي تؤسس الحضارات وتحفظ الذاكرة الجماعية للشعوب، فيما رأت غونغ لي أن الفن السينمائي يخاطب القاسم المشترك بين البشر، أي المشاعر الإنسانية التي تتجاوز كل الحواجز الثقافية والسياسية.

المسابقة الرسمية انطلقت بعرض أول فيلمين يتنافسان على السعفة الذهبية، وهما الفيلم الياباني «ناغي دايري» للمخرج كوجي فوكادا، المعروف بأعماله التي تتسم بالحساسية النفسية والطرح الإنساني العميق، وفيلم «لا في دون فام» للمخرجة الفرنسية شارلين بورجوا-تاكيه، التي تواصل ترسيخ حضورها كواحدة من الأصوات النسائية اللافتة في السينما الأوروبية المعاصرة. وقد شكل العرضان افتتاحاً واعداً لمسابقة تضم هذا العام 22 فيلماً من توقيع نخبة من أبرز المخرجين العالميين.

ويواصل المهرجان زخمه مع عروض مرتقبة تحمل أسماء ثقيلة في عالم السينما، من بينها الفيلم الجديد للمخرج البولندي بافل بافليكوفسكي، الذي يقدم عملاً تاريخياً يتناول عودة الأديب الألماني توماس مان إلى ألمانيا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وتؤدي بطولة الفيلم الممثلة الألمانية ساندرا هولر، التي باتت واحدة من أهم نجمات السينما الأوروبية في السنوات الأخيرة بفضل أدائها الاستثنائي وقدرتها على تجسيد الشخصيات المعقدة بعمق لافت. ومن المنتظر أن تحظى إطلالتها على السجادة الحمراء باهتمام واسع من وسائل الإعلام والنقاد والجمهور.

ويترأس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية هذا العام المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان-ووك، أحد أبرز صناع السينما الآسيوية المعاصرة وصاحب أسلوب بصري فريد جعله من أكثر المخرجين تأثيراً في السينما العالمية. وتضم اللجنة أسماء بارزة من بينها الممثلة الأميركية ديمي مور والمخرجة الصينية كلوي تشاو، الحائزة على جائزة الأوسكار عن فيلم «نومادلاند». وفي تصريح يعكس فلسفة اللجنة، أكد بارك تشان-ووك أن الجوائز ينبغي أن تذهب إلى الأعمال التي تستطيع أن تبقى حية في الذاكرة لخمسين أو حتى مئة عام، في إشارة إلى أن القيمة الفنية الحقيقية تقاس بقدرة الفيلم على تجاوز لحظته الزمنية وترك أثر دائم.

ولا يقتصر مهرجان «كان» على العروض التنافسية وحدها، بل يمثل أيضاً مساحة عالمية لتبادل الرؤى حول مستقبل السينما ودورها في زمن يشهد تحولات سياسية واجتماعية وثقافية متسارعة، ففي كل دورة تتحول الأفلام إلى منصات للحوار حول قضايا الهوية والحرب والمنفى والعدالة والذاكرة، بينما تظل السجادة الحمراء واجهة براقة تخفي وراءها نقاشات عميقة حول الفن وحدوده ومسؤولياته.

الدورة الـ79 تبدو حتى الآن واعدة على مختلف المستويات، سواء من حيث تنوع الأعمال المشاركة أو حضور الأسماء الكبرى أو الرسائل الثقافية التي يحملها المهرجان. وبين المنافسة المحتدمة على السعفة الذهبية والتطلعات إلى اكتشاف أعمال ستترك بصمتها في تاريخ السينما، يواصل مهرجان «كان» ترسيخ مكانته بوصفه أكثر من مجرد مناسبة فنية؛ إنه احتفال عالمي بالإبداع، وإعلان متجدد بأن السينما مازالت قادرة على مقاومة النسيان، وفتح نوافذ جديدة لفهم الإنسان والعالم.

الأكثر مشاركة