مهرجان «كان» الدولي للمسلسلات ينجز أكثر دوراته نضجاً وتماسكاً. أ.ف.ب

«كان سيريز».. تتويج للدراما المشبعة بالقلق المعاصر

شهدت الدورة التاسعة من مهرجان كان الدولي للمسلسلات، التي اختتمت أخيراً، إحدى أكثر دوراتها نضجاً وتماسكاً منذ انطلاق المهرجان، وبدت النسخة الجديدة من الحدث الذي يعرف إعلامياً بـ«كان سيريز»، وكأنه إعلان جديد عن المكانة التي بات يحتلها ضمن الخريطة الثقافية العالمية، ليس بوصفه امتداداً للسينما أو هامشاً لها.

منذ افتتاح المهرجان بدا واضحاً أن هذه الدورة تنحاز إلى الأعمال التي تذهب أبعد من الحكايات التقليدية، نحو سرديات أكثر جرأة وتعقيداً، تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي تشغل العالم اليوم، الاختيارات الرسمية حملت هذا التوجه بوضوح، إذ حضرت أعمال مشبعة بالقلق المعاصر، ومشغولة بأسئلة الهوية والسلطة والعلاقات الإنسانية.

في هذا السياق جاء التتويج الكبير لمسلسل «Alice and Steve»، ليكرّس هذا المزاج العام للمهرجان، العمل البريطاني الذي خطف جائزة أفضل مسلسل لم يُقرأ باعتباره مجرد فائز رئيس، بل بوصفه التعبير الأكثر اكتمالاً عن روح هذه الدورة، المسلسل - وهو من إخراج توم كينغسلي وبطولة نيكولا ووكر - قوبل منذ عرضه بحفاوة نقدية لافتة، لما يملكه من كتابة حادة تمزج الكوميديا السوداء بالدراما النفسية، ولقدرته على تحويل العلاقات الإنسانية المأزومة إلى مادة سردية نابضة بالتوتر والذكاء، ولم يكن مستغرباً أن يتجاوز حضوره الجائزة الكبرى إلى الظفر أيضاً بجائزة الأداء الجماعي الخاصة وجائزة لجنة طلاب الثانويات، في تتويج ثلاثي بدا كأنه إجماع نقدي وجماهيري على فرادة العمل.

المهرجان لم يكن احتفاءً بفائز واحد، بقدر ما كان مشهداً بانورامياً لحيوية الإنتاج الدرامي العالمي، فقد لفت مسلسل «Guts» الأنظار بقوته التعبيرية، ومنح بطلته رووسا سودرهولم جائزة الأداء التمثيلي، أما الأعمال القصيرة والوثائقية، فبدت بدورها شريكاً حقيقياً في هوية المهرجان، مع تتويج«Boho» كأفضل مسلسل قصير، و«The Deal with Iran» كأفضل عمل وثائقي.

ما منح هذه الدورة طابعها الخاص هو ذلك التوازن بين الاحتفاء النجومي والنقاشات العميقة حول تحولات الصناعة، حضور المنصات الكبرى كان لافتاً، لكن اللافت أكثر كان شعوراً عاماً بأن أوروبا تستعيد موقعاً مؤثراً في تشكيل الذائقة الدرامية العالمية، في مواجهة الهيمنة الأميركية المعتادة.

لم تكن السجادة الوردية في الختام مجرد مشهد احتفالي، بل خاتمة رمزية لدورة بدت أشبه ببيان فني عن المكان الذي وصلت إليه صناعة المسلسلات اليوم، وأكدت هذه النسخة أن الدراما الطويلة لم تعد مجرد وسيط سردي جماهيري، بل حقل فني تتصارع داخله الرؤى، وتتحدد عبره ملامح المستقبل البصري والثقافي.

الأكثر مشاركة