سينما 2026.. مرحلة انتقالية تراهن على العروض الكبرى
شهدت بداية 2026 حراكاً سينمائياً لافتاً أعاد ترتيب أولويات الصناعة العالمية، وكرّس مرحلة انتقالية تجمع بين عودة الرهان على العروض السينمائية الكبرى في القاعات، وتصاعد حضور المنصات الرقمية، إلى جانب تنامي الحس الفني في المهرجانات الدولية.
منذ الأسابيع الأولى للعام، رسمت المهرجانات الكبرى ملامح المشهد، فقد حمل مهرجان «صاندانس» في دورته الأخيرة دلالات رمزية تتعلق بتحولات السينما المستقلة الأميركية، إذ برزت أعمال تنتمي إلى الواقعية الاجتماعية والسير الذاتية السياسية، مع حضور قوي لصُنّاع أفلام شباب يعالجون قضايا الهوية والعدالة والذاكرة الجمعية. أما مهرجان برلين، فواصل تقاليده في الاحتفاء بالأفلام ذات الطابع السياسي والإنساني، وفي الربيع المقبل يتوقع ظهور أفلام تبشر بعودة أسماء إخراجية وازنة وأفلام ذات إنتاج ضخم نسبياً، لكن برؤية فنية صارمة.
على مستوى الإنتاجات التجارية، تستمر ظاهرة بدأت منذ أعوام وهي الأجزاء الجديدة من السلاسل الناجحة، سواء في عوالم الأبطال الخارقين أو أفلام الخيال العلمي والملحمة التاريخية، غير أن اللافت لم يكن في كثافة هذه الإصدارات فحسب، بل في محاولتها تقديم معالجات أكثر نضجاً، من حيث البناء الدرامي، بعد سنوات من الانتقادات التي طالت نمطية السرد والاعتماد المفرط على المؤثرات البصرية.
في المقابل، ازدهرت السينما ذات الميزانيات المتوسطة التي تمزج بين الحس الجماهيري والعمق الفني، خصوصاً في مجالات الإثارة النفسية والدراما الاجتماعية وأفلام السيرة، وهذا النوع من الإنتاج أثبت أنه الأكثر قدرة على الصمود، لأنه يجذب جمهور القاعات، ويحتفظ بقيمة إضافية عند انتقاله إلى المنصات الرقمية، كما برزت أفلام وثائقية حققت حضوراً لافتاً، متناولة موضوعات البيئة والفساد السياسي والذكاء الاصطناعي، ما يعكس اهتماماً متزايداً بالسينما كأداة مساءلة وتوثيق.
اقتصادياً، أظهر شباك التذاكر العالمي تعافياً نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، لكنه لم يعد إلى ذروة ما قبل 2020. الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين والهند وكوريا الجنوبية، لعبت دوراً حاسماً في دعم الأرقام العالمية، بينما حافظت أوروبا على استقرار نسبي بفضل دعم الإنتاج المحلي. في المقابل، واصلت المنصات الرقمية توسيع استثماراتها في الأفلام الأصلية، ما خلق منافسة مزدوجة بين العرض السينمائي التقليدي والعرض المنزلي، وأجبر المنتجين على ابتكار استراتيجيات إطلاق مرنة تجمع بين القاعات والبث الرقمي.
في صدارة الأفلام التي شكّلت حضوراً جماهيرياً واسعاً مطلع هذا العام، برز الجزء الثالث من ملحمة «Dune»، الذي استكمل المشروع البصري والفلسفي الذي بدأه المخرج دينيس فيلنوف قبل سنوات. الفيلم لم يكن مجرد امتداد لسلسلة ناجحة، بل خاتمة ملحمية راهنت على الصورة السينمائية الضخمة والبناء الدرامي العميق، ما جعله واحداً من أبرز عناوين العام في شباك التذاكر العالمي، خصوصاً في أسواق أميركا الشمالية وأوروبا وآسيا. اعتمد العمل على تجربة سمعية بصرية مكثفة عزّزت مكانته فيلماً يُشاهَد في القاعة لا على الشاشة المنزلية.
ومن بين الأعمال التي أثارت اهتماماً استثنائياً أيضاً، جاء مشروع «The Odyssey» للمخرج كريستوفر نولان، وهو عمل ملحمي مستوحى من الأسطورة الإغريقية، اتسم بإنتاج ضخم وتصوير في مواقع متعددة حول العالم. الفيلم كان حدثاً فنياً وجماهيرياً في آن، إذ جمع بين الطموح الفلسفي والبُعد الاستعراضي، ونجح في استقطاب جمهور واسع يتجاوز الفئة التقليدية لأفلام الفن الرفيع، مؤكداً قدرة نولان على الجمع بين العمق التجاري والرؤية الإخراجية الخاصة.
المقدمات السينمائية لمطلع عام 2026 تبشر بموسم وإنتاجات تعتمد على الأسماء اللامعة والمؤثرات، وتقديم تجارب سردية متماسكة تعيد بناء الثقة بين الجمهور والقاعات، إضافة إلى ميل واضح إلى الملحمة التاريخية، والخيال العلمي، وأفلام الأبطال الخارقين، والدراما الإنسانية.