السينما العالمية في 2026.. عام استعادة الهيبة و«الفيلم الحدث»
لا يبدو عام 2026 في تاريخ السينما العالمية عاماً عادياً يمكن المرور عليه بوصفه موسماً جديداً من الإنتاج والعروض، بل يفرض نفسه بوصفه لحظة مراجعة كبرى، واستعادة الهيبة، حيث تحاول فيه الصناعة أن تحسم موقعها في عالم تغيّرت فيه علاقة الإنسان بالصورة، وبالزمن، وبفكرة المشاهدة ذاتها.
اقتصادياً تدخل السينما عام 2026 وهي أكثر ثباتاً مما كانت عليه في الأعوام السابقة، لكن هذا الثبات هش بطبيعته. التعافي الذي حققه شباك التذاكر لم ينبع من عودة شاملة للجمهور، بل من نجاح عدد محدود من الأفلام الضخمة القادرة على جذب الملايين. هنا يتأكد أن الصناعة باتت تعتمد بشكل شبه كلي على ما يُعرف بـ«الفيلم الحدث»، وهو النموذج الذي تمثله أعمال مثل (Toy Story 5)، و(Spider-Man: Brand New Day) و(Dune: Messiah).. هذه الأفلام لا تُنتج فقط لاستعادة الأرباح، بل لإعادة ترسيخ فكرة أن هناك ما يستحق مغادرة المنزل والجلوس في قاعة مظلمة لساعتين أو لثلاث، في زمن باتت فيه الشاشة الصغيرة أكثر إغراءً وسهولة.
غير أن اللافت في 2026 أن هذه الأفلام الضخمة لم تعد تكتفي بالفرجة الخالصة، بل تحاول – بدرجات متفاوتة – أن تضيف طبقات سردية ونفسية أعمق. فيلم Dune في جزئه الجديد، بقيادة المخرج ديني فيلنوف، يواصل تحويل رواية فرانك هربرت إلى تأمل سينمائي في السلطة والمصير والعنف السياسي، مستفيداً من نضج تيموثي شالاميه الذي بات رمزاً لجيل كامل من النجوم الشباب، ومن حضور زندايا التي خرجت من إطار «النجمة الجماهيرية» إلى فضاء الأداء المركّب. هذا المزج بين الضخامة الفكرية والبصرية يعكس محاولة واعية لاستعادة احترام الجمهور، لا مجرد انتباهه.
عودة نجوم الصف الأول
على مستوى النجومية، يشهد هذا العام عودة واضحة لنجوم الصف الأول إلى الشاشة الكبيرة، بعد سنوات من الانخراط المكثف في مشاريع المنصات. ليوناردو دي كابريو، الذي أصبح حضوره السينمائي نادراً ومحمّلاً بالدلالات، يعود بفيلم درامي جديد يراهن فيه على الأداء الداخلي أكثر من الاستعراض، في حين تواصل مارغو روبي مسارها التصاعدي بعد (Barbie)، متنقلة بذكاء بين السينما التجارية والأعمال ذات الحس الفني. في الخلفية، يبرز جيل جديد من النجوم مثل فلورنس بيو، وأوستن باتلر، وبول ميسكال، الذين يمثلون مزيجاً نادراً من الجاذبية الجماهيرية والقبول النقدي، ويعيدون الاعتبار لفكرة «الممثل» لا «العلامة التجارية».
هذه العودة إلى مركزية الأداء تتقاطع مع عودة موازية للمخرجين الكبار، الذين يحاولون فرض بصمتهم في صناعة باتت تميل إلى التوحيد والتشابه. مشاريع جديدة لكريستوفر نولان، وستيفن سبيلبرغ، وأسماء أخرى من جيل الرواد، لا تُقدَّم فقط بوصفها أفلاماً منتظرة، بل كبيانات فنية تؤكد أن السينما لاتزال قادرة على إنتاج تجربة فكرية وجمالية لا تختزل في الخوارزميات. نولان، على وجه الخصوص، يواصل الدفاع عن فكرة العرض السينمائي بوصفه شرطاً جمالياً لا رفاهية، وهو موقف يلقى صدى واسعاً لدى جمهور يشعر بالحنين إلى سينما تتطلب الانتباه الكامل.
الذكاء الاصطناعي
في موازاة ذلك، يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه بوصفه أحد أكثر عناصر الجدل حضوراً في 2026. لم يعد الحديث عنه نظرياً، بل عملياً ومباشراً، مع استخدامه في مراحل التطوير البصري، والتحليل التسويقي، وحتى في إعادة إنتاج أصوات أو ملامح رقمية. هذا الواقع دفع نجوماً مثل سكارليت جوهانسون إلى التعبير عن مخاوف حقيقية تتعلق بالحقوق والهوية الفنية، وفتح نقاشاً أخلاقياً عميقاً حول معنى الإبداع في زمن يمكن فيه إعادة تصنيع الإنسان رقمياً. السينما هنا لا تواجه تحدياً تقنياً فحسب، وإنما تواجه أيضاً اختباراً فلسفياً يتعلق بجوهر العمل الفني.
جماهيرياً يكشف عام 2026 عن مفارقة لافتة، تتمثل في عودة جيل الشباب إلى الصالات، ولكن بشروط مختلفة. أفلام مثل The Hunger Games: Sunrise on the Reaping تُظهر أن هذا الجيل لا يرفض السينما، بل يرفض الفراغ. هو جمهور يريد قصة تمسه، وشخصيات تعكس قلقه الاجتماعي والسياسي، وتمثيلاً أكثر تنوعاً وصدقاً، لذلك تحقق بعض الأعمال ذات البُعد الاجتماعي حضوراً قوياً حتى وهي تعمل داخل الإطار التجاري، مستفيدة من نجوم يمتلكون تأثيراً واسعاً خارج الشاشة.
إعادة تعريف
تشير أبرز التقارير المتخصصة إلى أن السينما العالمية في 2026 لا تعاني أزمة أفول، بل من مخاض إعادة تعريف. هي سينما تتأرجح بين النوستالجيا والرغبة في التجديد، بين سطوة السوق ونداء الفن، وبين الخوارزمية والإنسان. وما يمنح هذا العام أهميته الخاصة هو أنه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يفتح أفقاً جديداً لسينما أكثر وعياً بذاتها، وأكثر جرأة في الدفاع عن معناها، لا بوصفها ترفيهاً فقط.
هوليوود تتراجع
تتراجع مركزية هوليوود المطلقة لصالح مشهد أكثر تنوعاً. السينما الكورية الجنوبية تواصل حضورها بعد التحول الذي أحدثه Parasite، والسينما الهندية تقدم أعمالاً ضخمة ذات طموح عالمي، فيما تفرض السينما الأوروبية أسماء جديدة تجد طريقها من المهرجانات إلى الجمهور الواسع. هذا التعدد لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من المشهد العام، ويعكس تحولاً عميقاً في ذائقة المشاهد العالمي.