«كورونا»... الأزمات الكونية تفرض الواقعية على السينما

لكل أزمة كونية بداية ونهاية، ما قبلها حقبة وما بعدها حقبة أخرى، الأزمة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو صحية، هي حالة مؤقتة يدخل فيها العالم في وضع خاص حرج يؤثر في مؤسسات أي دولة، وتضطر إلى تغيير طريقة عملها كي تستمر في حماية المجتمع وخدمته، وهذا الأخير يطوّع أفراده لتغيير أنماط سلوكياتهم ليتكيفوا مع الأزمة.

تغير الأزمات كل شيء منذ الأزل، لأن الإنسان لا يريد تكرار أخطاء الماضي، وبالتالي أي شيء لا يتغير بعد وقوع أزمة يصبح خارج السياق أو غير واقعي. وتمثل السينما انعكاساً للحياة وما يحدث فيها، وهي تتغير بتغير الواقع.

وباء كورونا المستجد (كوفيد-19) من المتوقع جداً أن يغير السينما، كونه أول وباء يغلق صالاتها بهذا الشكل في كل أنحاء العالم. ستخرج أفلام توازي واقع الحياة، فإما أن تكون ساخرة أو قاتمة، بمعنى ظلامية تعكس قسوة الواقع الذي مرّ به البشر، ويكون الموت أو انتصار إرادة الحياة موضوعاً رئيساً فيها.

كيف أثرت الأزمات الكونية في السينما وغيّرتها؟ كي نستقرئ المستقبل يجب أن ننظر إلى تاريخ السينما وأن نفهم طبيعته، لأن العالم يعيش فعلياً أزمة بمثابة حرب عالمية، وكل آثار «كورونا» التي نشهدها اليوم حدثت في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

الحرب العالمية الأولى: لم ترغب الجماهير في مشاهدة أفلام عن الحرب نظراً إلى كآبة الوضع، لكنها أقبلت على الكوميديا. عادت الحرب إلى السينما كموضوع ابتداء من 1925 وكان ذلك على شكل موجتين، الأولى ركزت على الواقعين الاجتماعي والسياسي والنقد الذاتي والهوية الوطنية، أما الثانية فركزت على الدعاية السياسية للدول المنتصرة كالولايات المتحدة، أو التي تعرضت لهزائم أثناء الحرب كفرنسا وبلجيكا.

توالت الأفلام على ضفتَي الأطلسي، ومن أبرزها فيلم «أجنحة» الفائز بأول أوسكار عام 1927، وأول فيلم صامت يفوز بالجائزة. ظهرت في هوليوود موجة أفلام تعادي ألمانيا سياسياً، كان أهمها فيلم All Quiet on the Western Front الحائز أوسكار أفضل فيلم عام 1931. وعندما جاء أدولف هتلر إلى الحكم عام 1933، قمع هذه الأفلام ووصفها بالانهزامية، وشدد على أهمية إنتاج أفلام تبرز بطولة الجندي الألماني.

كان من نتائج هذه الحرب إزاحة ألمانيا عن عرش السينما، وبزوغ هوليوود وتنصيبها ملكة على الصناعة، وتراجع أوروبا، حيث نشأت حركة فنية سينمائية مهمة جداً تسمى الحركة التعبيرية الألمانية، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الفن السابع.

فنياً، برزت الحركة التعبيرية الألمانية من قبل الحرب لتلهم صناع الأفلام بعدها، وهيمنت على السينما الأوروبية، وتتلمذ عليها أساطير سينما أبرزهم ألفريد هيتشكوك، الذي ذهب إلى ألمانيا عام 1924 ليدرسها قبل الشروع في صناعة أفلامه. من المثير للاهتمام أن أفلام الحرب العالمية الأولى، بحسب مؤرخي السينما، تجنبت قدر المستطاع تصوير مجريات الحرب أرضاً بسبب الفظائع والمذابح التي وقعت، وأهمها حرب الخنادق، وركزت أكثر على معارك سلاح الجو. أو ركزت على العلاقات بين الجنود بعيداً عن الجبهة، أو حول قصص حب حدثت أثناء الحرب.

الحرب العالمية الثانية: ظهرت موجات عدة بعد هذه الحرب الكونية، أبرزها الواقعية الجديدة في إيطاليا، وأهم أفلامها Bicycle Thieves ، وRoma Open City و Stromboli وOssessione، وموجة «فيلم نوار» الظلامية الأميركية، التي تكونت أساساً من تمازج المدرسة التعبيرية الألمانية مع أفلام الجريمة في هوليوود، وهي انعكاس غير مباشر لهذه الحرب.

تمتد جذور «فيلم نوار» إلى أزمة الكساد العظيم في آخر العشرينات، وهي فترة ركزت فيها هوليوود على صناعة أفلام العصابات وسرقات البنوك، تأثراً بالأزمة الاقتصادية آنذاك.

في أول الأربعينات ظهرت موجة أفلام المحقق، وكان أهمها «الصقر المالطي» لجون هيوستن، الذي وضع أسطورة هوليوود همفري بوغارت على قائمة أهم نجوم السينما في العالم. كما تميزت تلك الحقبة بروائع مثل Double Indemnity وThe Big Sleep وTouch of Evil، وThe Asphalt Jungle.

استمرت أفلام المحقق حتى آخر الخمسينات، وللعلم فإن المحقق في كثير من الأفلام كان جندياً في الحرب العالمية الثانية. توقفت السينما في أوروبا كلياً جراء تلك الحرب، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، شاهد الأوروبيون أفلام المحقق رغم انتهاء عروضها أميركياً منذ سنوات. تأثر النقاد السينمائيون الأوروبيون بروعة تلك الأفلام، واستخدامها المتقن لعناصر الرعب المستلهمة من المدرسة التعبيرية الألمانية، لتعكس أسلوب ارتكاب الجريمة، وتعكس نفسية المحقق ودوافع المجرم. وفي عام 1946 أطلق الفرنسي نينو فرانك وزميله جون بيير شارتير، اسم «فيلم نوار» على أفلام المحقق. وتحول الاسم إلى مصطلح سينمائي ولم يصل هوليوود إلا في السبعينات، عندما ظهرت موجة أفلام المحقق الثانية (الملونة) عام 1974 بفيلم «تشاينا تاون» لرومان بولاسنكي. هنا قسمت هوليوود التاريخ إلى حقبة فيلم نوار الموجة الأولى (أبيض وأسود) 1940- 1958، والموجة الملونة التي تراجعت بداية القرن الـ21. بكلمات أخرى، هوليوود حتى أول السبعينات لم تكن تعرف معنى المصطلح.

حربا فيتنام والخليج: سببت أفلام حرب فيتنام عقدة للشخصية الأميركية، جراء الهزائم التي منيت بها القوات الأميركية في أدغال تلك البلاد، وتميزت أفلامها بالكآبة الشديدة أو بمعاداة هوليوود للمؤسسة السياسية والعسكرية الأميركية. ومن أهمها Platoon وApocalypse Now وThe Deer Hunter، وFull Metal Jacket. في الثمانينات ظهرت أفلام سميت بالتصالحية مع عقدة فيتنام، ركزت على انتصارات محدودة للجيش الأميركي هناك، وكان صناعها وممثلوها من منتسبي الحزب الجمهوري، وازدهرت بسبب شعبية الرئيس الراحل رونالد ريغان، وأهمها سلسلة Rambo وCommando وMissing in Action.

وصلت هذه الموجة ذروة شعبيتها بعد احتلال نظام الرئيس السابق، صدام حسين، لدولة الكويت الشقيقة عام 1990، وما نتج عنه من تحالف عالمي بقيادة واشنطن تزعمه الراحل، جورج بوش الأب. أفلام تلك الحرب أيضاً موجتان، إما بطولة الجندي الأميركي أو معاناته اضطراب ما بعد الصدمة، أهم الأفلام «شجاعة تحت النار». ضربات سبتمبر والحرب على الإرهاب وغزو العراق: مثّلت حالة استثنائية سينمائياً، إذ عزف الناس عن مشاهدة أفلام عن هذه الأحداث التي قسمت العالم زمنيا عام 2001، بعد ضربات سبتمبر الإرهابية، وأخفقت معظم الأفلام التي تناولت أياً منها سينمائياً.

لكن بالمقابل نجح التلفزيون في استغلال الحرب على الإرهاب بشكل أفضل، وأنتج مسلسلات قوية أبرزها (24)، في العقد قبل الماضي، الذي استغل عامل خوف الشخصية الأميركية من الإرهاب، بغض النظر عن الدين واللون، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ التلفزيون.

المثال الآخر مسلسل «هوملاند»، وهو ينظر إلى النتائج المترتبة على خوض واشنطن تلك الحرب، وآثارها التدميرية، وهو مستلهم من مسلسل إسرائيلي بعنوان «أسرى حرب»، تناول الحرب على الإرهاب من منظور الدولة العبرية.

كل ما سبق أثر بشكل مباشر في السينما وجعلها تركز على الواقع، وأصبحت الأفلام موصومة بعبارة ما قبل الأزمة وما بعدها، ونحن اليوم نعيش العصر الذهبي لسينما الخيال، على رأسها السوبرهيرو، فهل ستتوقف بعد وباء «كوفيد 19»؟ نعم ستنحسر، لكن ليس مباشرة، سيخرج الناس منهكين بعد هذه الأزمة، ويريدون شيئاً بعيداً عن الواقع يسليهم.

مع الوقت سيدرك الناس أن الأبطال الحقيقيين الذين حاربوا الوباء يستحقون أعمالاً تثني على جهودهم، وهذا سيقود بشكل مباشر إلى إعادة النظر في السوبرهيرو كشخصية بعيدة جداً عن الواقع، وكل ما هو كذلك يثير سخرية، لأنه ببساطة لم يكن حاضراً وقت الأزمة، ولم ينقذ الكوكب كما يفعل في عالمه.

لمشاهدة الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

الأبطال الحقيقيون الذين حاربوا الوباء يستحقون أعمالاً تثني على جهودهم، وهذا سيقود بشكل مباشر إلى إعادة النظر في السوبرهيرو كشخصية بعيدة جداً عن الواقع، لأنه ببساطة لم يكن حاضراً وقت الأزمة ولم ينقذ الكوكب.

بعد الحرب العالمية الأولى لم ترغب الجماهير في مشاهدة أفلام عن الحرب، نظراً إلى كآبة الوضع، لكنها أقبلت على الكوميديا.

الأكثر مشاركة