مارتن سكورسيزي.. كلّ ما في الحياة أفلام
إلقاء نظرة على ما يقترفه المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي سيضعك أمام مشاعر متعددة، لها أن تراوح بين الإعجاب والحسد، ومعهما يحضر توصيفنا لما يصنعه بأنه «يقترف»، ليكون قادماً من حب كبير لما يصنعه هذا المخرج الكبير، كأن تشتم أحدهم من كثرة ما تحبه، أو من إيمان مطلق بأن أجمل الأشياء قاطبة أن تكون مشغولا بما تحب، على مبدأ أغنية بوب ديلان «شباب إلى الأبد» التي يقول فيها «على يديك أن تكونا مشغولتين دائماً».
هذا قادم أيضاً من وهم الشعور بأنني وبمشاهدة الوثائقي الذي صنعه بعنوان «رسالة إلى إيليا كازان»، سيجعلني على اتصال مع آخر ما صنعه هذا المخرج بعد «جزيرة شاتر»، لكن سيتضح أن هناك وثائقياً آخر فرغ منه بعنوان «حديث عام»، يتناول شذرات حياة كتاب أميركان بما فيهم جيمس بولدن الذي تمحورت رواياته حول الهوية وتركيزه على المثلية والعنصرية لكن على ما يبدو أنه حديث مطول تتولاه فران ليبوتس، التي لا تتوقف عن الكلام طيلة الفيلم وهي تتبع حيوات الكتاب وتتحدث عنهم مع استعادة أرشيف كبير يستثمر فيه سكورسيزي ويوثق من خلاله لأيقونات الثقافة الأميركية مثل يوجين أونيل المسرحي الشهير، والروائيتين توني موريسون ودورثي باركر وآخرين، وليأتي هذا الفيلم بعد مسعاه في «رسالة إلى ايليا»استعادة هذا المخرج السينمائي بعيداً عما ارتبط به اسمه أثناء «المكارثية»، في خمسينات القرن الماضي بوصفه واشياً بأصدقائه وزملائه من السينمائيين في هوليوود أثناء تلك الحملة الاستخباراتية والقمعية التي لم تختلف أبداً عن الأنظمة الشمولية، التي كانت الولايات المتحدة تعتبرها عدوة للإنسانية والحرية.
سكورسيزي يستحضر إيليا كازان بوصفه صاحب أفلام مثل: «عربة اسمها الرغبة»، و«وجه في الزحام»، و«أميركا أميركا»، وغيرها من أفلام حققها كازان، وفي استعادة لأرشيف مقابلات معه ومقاطع مصورة له، وتأرجحه بين المسرح والسينما وإلى ما هنالك مما يعتبره سكورسيزي إيفاء لدين قديم مع هذا المخرج الذي تعلم منه الكثير، ولعل ذلك يقودني أيضاً إلى اعتبار الوثائقي لدي سكورسيزي قادماً من تلك الجهة، أي تشابك من يوثق له مع حياته وفي تفصيلها الإبداعي الذي لا يبتعد عن الشخصي في الوقت ذاته، كونهما متمازجين تماما لديه ومثالنا على ذلك فيلمه الوثائقي الذي حمل عنوان «ليكن الضوء متوهجاً» عن فريق رولينغ ستونز، وقد كان ما دفعه لصناعة ذلك الفيلم كمية الإلهام التي قدمتها أغنيات ذلك الفريق له، بما يجعله أيضاً يستحضر أغنيات كثيرة أصبحت مرتبطة لديه مع أفلام كثيرة أخرجها.
بالانتقال إلى مشروعات سكورسيزي الروائية فإننا لن نبتعد عن الموسيقى أيضاً طالما أن مشروعه المقبل فيلم يحمل اسم «سيناترا» عن المغني الشهير فرانك سيناترا، الذي سيسبقه بالعرض فيلم بعنوان «صمت»، يتناول حياة راهبين في القرن السابع عشر وما يتعرضان له أثناء رحلتهما التبشيرية في اليابان، وبمشاركة كل من دانيال داي لويس وبينشيو دل تيرو، وهو سيكون معداً للعرض عام .2013