إصدار وتداول الصكوك يعزز مكانة دبي مركزاً عالمياً للتمويل الإسلامي
أصبحت أدوات الدين مثل السندات والصكوك من أهم وسائل التمويل للحكومات والشركات، في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، وتسارع خطط التنمية المستدامة. وفي دولة الإمارات، يشهد هذا القطاع نمواً متزايداً مدعوماً برؤية تنموية تُوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية، في وقت تُعدّ فيه دولة الإمارات، خصوصاً دبي، من أبرز المراكز العالمية في إصدار وتداول الصكوك، ما يُعزّز مكانتها مركزاً رائداً للتمويل الإسلامي.
والصكوك والسندات ليست مجرد أدوات اقتراض، بل أصبحت ركيزة أساسية في تمويل التنمية المستدامة، فبينما تمثّل السندات التقليدية أداة دين بـ«فائدة»، تُقدّم «الصكوك» نموذجاً متوافقاً مع الشريعة، في حين تعكس السندات «الخضراء» و«الزرقاء» تحولاً عالمياً نحو الاستثمار المسؤول بيئياً.
ومع تسارع التحديات الاقتصادية والبيئية، يبدو أن مستقبل التمويل سيتجه أكثر نحو أدوات تجمع بين العائد المالي والأثر التنموي، وهو ما تواكبه الإمارات برؤية واضحة وطموحة.
وعلى مدار السنوات الـ10 الماضية، تمضي الدولة بخطوات متسارعة في تطوير سوق أدوات الدين، سواء التقليدية أو الإسلامية أو المستدامة، بما يعزّز مكانتها مركزاً مالياً إقليمياً وعالمياً. ويعكس هذا التوجه رؤية استراتيجية تربط بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وتواكب التحولات العالمية في أسواق المال.
خصائص السندات
وتعد السندات أدوات مالية، وتُمثل قرضاً يقدّمه المستثمر لجهة مُصدِرة للسندات، قد تكون حكومة أو شركة، مقابل «فائدة» محددة تُدفع بشكل دوري، مع استرداد المبلغ الأصلي عند تاريخ الاستحقاق.
ويندرج تحت هذا المفهوم ما يُعرف بـ«سندات الدين»، وهو مصطلح عام يشمل جميع الأدوات التي تعتمد على الاقتراض، سواء كانت قصيرة أو طويلة الأجل.
أما أبرز خصائص السندات، فيتمثل في عائد ثابت أو متغير، ومدة استحقاق محددة، ومستوى مخاطرة أقل عادة من الأسهم، لذلك فهي أداة لتمويل المشاريع وسد العجز المالي.
وتلجأ الحكومات عادة إلى إصدار السندات لتمويل مشروعات البنية التحتية، أو لسد العجز في الميزانية، في حين تستخدمها الشركات للتوسع، أو إعادة تمويل ديونها.
مفهوم الصكوك
أما الصكوك فهي أداة تمويل متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتشبه السندات من حيث الهدف، أي (الحصول على تمويل)، لكنها تختلف في الهيكل، فبدلاً من أن تمثل دَيناً بـ«فائدة»، تمثل الصكوك «حصة ملكية» في أصل أو مشروع، أو نشاط استثماري، ويحصل المستثمر على عائد ناتج عن أرباح المشروع، وليس فائدة ربوية.
وتُعد دولة الإمارات، خصوصاً دبي، من أبرز المراكز العالمية في إصدار وتداول الصكوك، ما يُعزّز مكانتها مركزاً رائداً للتمويل الإسلامي.
وبالتالي فإن الفرق الجوهري بين أداتي الدين هو أن «السندات» قائمة على القرض والفائدة، في حين تقوم «الصكوك» على الملكية والمشاركة في الأرباح.
السندات الخضراء
من جهتها، تعتبر «السندات الخضراء» نوعاً من سندات الدين التي يُخصص تمويلها لمشروعات صديقة للبيئة، مثل: الطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والنقل المستدام، ومشاريع خفض الانبعاثات الكربونية.
ويأتي انتشار هذه السندات متماشياً مع التزامات دولية مثل اتفاقية باريس للمناخ، ومع توجهات دولة الإمارات نحو الحياد المناخي، لذلك تشهد المنطقة إقبالاً متزايداً على هذا النوع من التمويل، خصوصاً مع استضافة دولة الإمارات لمؤتمرات مناخية عالمية عززت الوعي بالاستثمار المستدام.
السندات الزرقاء
أما السندات الزرقاء فهي أداة تمويل حديثة نسبياً، تُستخدم لتمويل مشروعات مرتبطة بالبحار والمحيطات، مثل حماية الشعاب المرجانية، ودعم الصيد المستدام، ومكافحة التلوث البحري، والاقتصاد الأزرق.
وتمثل هذه السندات امتداداً لمفهوم الاستدامة، لكنها تركز تحديداً على الموارد البحرية، ما يجعلها ذات أهمية خاصة للدول الساحلية.
وتتجه الدول إلى الأدوات السابقة لأسباب عدة أبرزها: تنويع مصادر التمويل، وجذب مستثمرين جدد، وتعزيز الشفافية والحوكمة، ودعم أهداف التنمية المستدامة، وتقليل الاعتماد على التمويل التقليدي قصير الأجل.
إدراج الصكوك
ويتيح إدراج الصكوك بعد إصدارها، تداولها بين المستثمرين المحليين والدوليين. وقد نجحت بورصة ناسداك دبي في جذب عدد قياسي من إدراجات الصكوك خلال عام 2025، مدعومة باستمرار نشاط الإصدارات من جهات إقليمية ودولية، إلى جانب الطلب العالمي المتواصل على أدوات الدين المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية. وبلغت القيمة الإجمالية لأدوات الدين القائمة «المدرجة» في كل من سوق دبي المالي و«ناسداك دبي» نحو 150.9 مليار دولار بنهاية عام 2025، استحوذت «ناسداك دبي» منها على 146.1 مليار دولار. وشهدت سوق الصكوك في «ناسداك دبي» نمواً ملحوظاً خلال العقد الماضي، حيث ارتفعت القيمة الإجمالية للصكوك القائمة بنحو ثمانية أضعاف منذ عام 2013، من 12.6 مليار دولار إلى أكثر من 100 مليار دولار. ومنذ تأسيسها، استضافت «ناسداك دبي» إصدارات تراكمية من السندات والصكوك تجاوزت قيمتها 245 مليار دولار، منها 177 مليار دولار من الصكوك. ويتوافق هذا النمو مع الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات للتمويل الإسلامي وصناعة الحلال، والتي تهدف إلى رفع أصول الصيرفة الإسلامية إلى 2.56 تريليون درهم، وزيادة إدراجات الصكوك إلى أكثر من 660 مليار درهم محلياً، و395 مليار درهم دولياً بحلول عام 2031.
309.4 مليارات دولار إجمالي السندات والصكوك
وفقاً لبيانات وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، فقد وصل إجمالي السندات والصكوك القائم في دولة الإمارات في نهاية الربع الأول من عام 2025 إلى نحو 309.4 مليارات دولار أميركي، بزيادة تبلغ نحو 8.3% عن الفترة نفسها من عام 2024. وتشكل الصكوك نحو 20.2% من هذا الإجمالي، في حين تُمثل السندات التقليدية الجزء الأكبر المتبقي.
وأظهرت بيانات «فيتش» أن إجمالي الإصدارات من السندات والصكوك في دولة الإمارات خلال عام 2025 بالكامل جاوز 169 مليار دولار. ومن هذا الإجمالي، يمثّل إصدار الصكوك نحو 13% من السوق، في حين تركزت الإصدارات على سوق الدين التقليدي، إلى جانب نمو ملحوظ في أدوات التمويل المستدام (من ضمنها السندات الخضراء).
• المستثمر في «الصكوك» يحصل على عائد ناتج عن أرباح المشروع.. والسندات «الخضراء» و«الزرقاء» تحول عالمي نحو الاستثمار المسؤول بيئياً.