القطاع المصرفي بالدولة.. سيولة قوية في مواجهة التوترات الإقليمية

يُثبت القطاع المصرفي الإماراتي دائماً أنه أحد أعمدة الاستقرار في المنطقة، مستنداً إلى قاعدة رأسمالية صلبة وإدارة مخاطر متحفظة، ورقابة تنظيمية فعالة يقودها مصرف الإمارات المركزي، ما مكّنه من الحفاظ على مستويات عالية من السيولة، والقدرة على امتصاص الصدمات والتوترات الإقليمية، دون الإخلال بوتيرة النمو أو الثقة.

ونجحت البنوك الوطنية في ترسيخ نموذج تشغيلي متوازن يجمع بين التنويع الجغرافي والقطاعي والانضباط الائتماني، ما عزّز قدرتها على التعامل مع تقلبات أسعار الفائدة، وتذبذب تدفقات رؤوس الأموال العالمية.

ويعكس الأداء المالي المتماسك للقطاع، قوة السياسات الاحترازية الكلية التي تبنّاها المصرف المركزي، سواء عبر متطلبات كفاية رأس المال المرتفعة، أو عبر إدارة محكمة لمعايير السيولة.

وإلى جانب المتانة المالية، لعبت الرقمنة والاستثمار في التكنولوجيا المالية دوراً محورياً في تعزيز الكفاءة التشغيلية وخفض المخاطر، حيث تبنّت البنوك الإماراتية حلولاً متقدمة في إدارة البيانات والامتثال ومكافحة الجرائم المالية، ما رفع مستوى الشفافية والجاهزية للتعامل مع المتغيرات السريعة.

وقال الخبير المالي المصرفي، أمجد نصر، إن «الاقتصاد الإماراتي يُعدّ واحداً من أقوى الاقتصادات في المنطقة والعالم، ليس فقط من حيث الناتج أو التنويع الاقتصادي، بل من حيث المرونة المالية والسياسات الاقتصادية الحصينة التي اعتمدتها الدولة عبر عقود».

وأضاف: «النظام المصرفي في الدولة جزء لا يتجزأ من هذه القوة الاقتصادية، ويعكس مستوى عالياً من الانضباط المالي، والتنظيم الفعال والإشراف الوقائي الذي يمارسه مصرف الإمارات المركزي والمؤسسات المصرفية المحلية».

وتابع نصر: «أثبت النظام المصرفي قدرته على التعامل مع اختبارات عالمية صعبة، من أزمة 2008 المالية العالمية إلى جائحة (كوفيد-19)، حيث لعب دوراً محورياً في دعم الاقتصاد واستدامة النشاط الاقتصادي خلال تلك الفترات الصعبة، كما أن نمو الودائع المحلية بمعدلات عالية خلال السنوات الأخيرة، يعكس ثقة المواطنين والمقيمين بالبنوك الإماراتية، وهو مؤشر مهم يُستند إليه في تقييم الاستقرار المالي لأي نظام مصرفي، فضلاً عن أن نسبة القروض إلى الودائع تُظهر مستويات محافظة، وهذا يعني أن البنوك لا تعتمد بشكل مبالغ فيه على التمويلات الخارجية أو غير المستقرة».

وبيّـن نصر أن «التجربة الإماراتية في التعامل مع أزمات سابقة، لم تكن مجرد اختبارات، بل شكلت فرصاً لتطوير آليات إدارة المخاطر، وتعزيز الاحتياطات، ورفع كفاءة الإشراف المصرفي»، لافتاً إلى أن «ذلك أسهم في خلق قواعد قوية تجعل النظام المصرفي أكثر استعداداً لمواجهة تقلبات الأسواق، سواء كانت جيوسياسية أو اقتصادية أو مالية».

وأوضح أن مصرف الإمارات المركزي لا يراقب فقط، بل يتدخل بشكل استباقي عند الحاجة، أو أي ظرف استثنائي، مستخدماً أدوات سياسية ونقدية، مثل السياسة الاحترازية الكلية، واختبارات التحمل، والتدخل في السوق عند الضرورة لحماية الاستقرار النقدي والمالي، وهذا يضمن أن تكون السيولة في النظام كافية، وأن تكون البنوك قادرة على تلبية احتياجات السوق دون ضغوط غير ضرورية.

وكان آخر تقرير عن الاستقرار المالي الصادر عن المصرف المركزي لعام 2024 والمنشور في سبتمبر 2025 والذي يستند إليه تحليل أداء البنوك في عام 2025، أكد أن مؤشرات السيولة في القطاع المصرفي الإماراتي كانت قوية عند نهاية 2024، ما يشكل قاعدة صلبة لبقية عام 2025، حيث أظهرت البيانات أن نسبة تغطية السيولة بلغت نحو 156.2% نهاية العام، وهو مستوى يتجاوز الحد التنظيمي المطلوب بكثير، ما يدل على وفرة في الأصول السائلة عالية الجودة القابلة للتسييل لتغطية الاحتياجات النقدية القصيرة الأجل، في حال مواجهة ضغوط مالية مفاجئة، كما أظهرت المؤشرات الأخرى استمرار نسبة التمويل المستقر الصافي عند نحو 113.4%، ما يعكس قدرة البنوك على الاعتماد على مصادر تمويل مستقرة على مدى سنة على الأقل، وهو مؤشر مهم لمواجهة أي ضغوط في سوق التمويل العالمي، كما سجل مؤشر الأصول السائلة المؤهلة نحو 21.3% من إجمالي الأصول، الأمر الذي يُعزّز وجود طبقة إضافية من الأصول التي يمكن تحويلها إلى نقد بسرعة في حالات الضغط المالي، وهذا كله يشير إلى أن السيولة لدى البنوك كانت متينة بنهاية عام 2024 ومستمرة في عام 2025، مع تركيز قوي على النمو في الودائع المحلية وتوازن هيكل التمويل.

الودائع والأصول السائلة

وصل إجمالي الودائع لدى البنوك العاملة في الدولة إلى نحو 3.01 تريليونات درهم (ودائع المقيمين)، ونحو 297.8 مليار درهم (ودائع غير المقيمين)، وذلك بنهاية ديسمبر 2025، بنسبة نمو جيدة في مصادر التمويل الأساسية للنظام المصرفي.

كما سجلت الأصول السائلة مستويات قوية، ففي الربع الأول من عام 2025 وصلت تلك الأصول إلى نحو 857.8 مليار درهم، تمثّل نحو 18.4% من إجمالي الأصول المصرفية في تلك الفترة، ما يشير إلى طبقة سيولة واسعة متركزة في النقد والأرصدة الاحتياطية لدى المصرف المركزي، والأوراق المالية عالية السيولة.

وتكون هذه الأصول السائلة لاحقاً، جزءاً من الأساس الذي يدعم الزيادة اللاحقة في إجمالي الأصول حتى نهاية العام، خصوصاً مع نمو الودائع والائتمان، ما يعني أن البنوك حافظت على مستويات سيولة تجاوزت بكثير الحدّ الأدنى التنظيمي المطلوب.

. البنوك الوطنية نجحت في ترسيخ نموذج تشغيلي متوازن، يجمع بين التنويع الجغرافي والقطاعي والانضباط الائتماني.

الأكثر مشاركة