قلة الحوافز تدفع مواطنين إلى ترك وظائفهــــم في المصارف
شكا مواطنون عاملون في القطاع المصرفي تعرضهم لضغوط كثيرة وممارسات ممنهجة من قبل إدارات البنوك التي يعملون بها، تؤدي في النهاية إلى تركهم العمل في القطاع، على الرغم من رغبتهم الشديدة للعمل فيه.
وأكدوا عدم المساواة بينهم وبين زملائهم في الرواتب أو المزايا، بحجة أنهم مواطنون، إذ إن علاوة المواطن لا تزيد على 2000 درهم شهرياً، في حين يمنح زملاءهم بدلات سكن وتعليم وتذاكر سفر سنوية بمبالغ كبيرة.
وأفادوا بأن الدرجة الوظيفية الواحدة بها أكثر من ثلاثة مستويات تتفاوت بحسبها الرواتب كثيراً، وغالباً ما يتم تعيين المواطن في الدرجة الأقل، لافتين إلى أن نسبة كبيرة من المواطنين يتطلعون لترك أماكنهم في المصارف أملاً في تحسين الراتب، على الرغم من رواتب القطاع الضخمة.
| ضوابط قال مسؤول في المصرف المركزي، إن «التوطين في القطاع المصرفي توجه استراتيجي، إذ يشترط بحسب قرار مجلس الوزراء، ألا يقل عدد المواطنين العاملين بأي بنك عن 10٪، وعن 20٪ في أي فرع جديد يتم افتتاحه»، لافتاً إلى أن «البنك مطالب بزيادة نسبة المواطنين العاملين لديه بـ4٪ سنوياً من إجمالي عدد العاملين»، مشدداً على أن «(المركزي) يراقب عن كثب تطبيق هذه النسب، والبنوك غير الملتزمة تتعرض للمخالفة وعدم تسهيل إجراءاتها لدى (المركزي)». التوطين أكد المدير العام لمعهد الدراسات المصرفية، مقرر أعمال لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي والمالي، جمال الجسمي، أن «المشكلة التي توجد عدم توازن في التوطين بالقطاع المصرفي هي تمركز المواطنين في الإدارة الدنيا بالبنوك ذات الرواتب الضعيفة، ما يجعل كثيراً منهم يشعرون بعدم الاستقرار ويبحثون عن البديل الأعلى». وأضاف أنه «بحسب بيانات جمعتها اللجنة حتى يونيو ،2011 فإن هناك 597 مواطناً ومواطنة يشغلون وظائف إدارية عليا في القطاع المصرفي، وهو ما يمثل ارتفاعاً بمعدل 11٪ مقارنة بعددهم في ديسمبر ،2010 إذ كان هذا العدد 538 مواطناً من الجنسين، أما عدد المواطنين الذين يشغلون وظائف إدارية متوسطة، فبلغ 2475 مواطناً ومواطنة، وبلغ عدد المواطنين في وظائف الإدارة الدنيا 9616 مواطناً مواطنة». ونفى الجسمي أن «يكون هناك قصور في مخرجات التعليم، بدليل أن 73٪ من مديري الفروع من المواطنين من حملة البكالوريوس والدبلومات المصرفية، وهذا يرد على من يقول بعدم قدرتهم على تحمل المسؤولية». وحول عدم دقة نسب التوطين المعلنة بسبب وجود عقود توظيف مؤقتة، قال إن «ذلك أجازه القانون في ظل عدم وجود المواطنين في بعض الوظائف، مثل تسويق المنتجات أو التحصيل أو خدمات البيع، وغيرها من الشواغر، التي لا يقبلها الموظف المواطن»، موضحاً أنه «من المهم وضع ضوابط تمكن المواطنين من التواجد في أي وظيفة بالقطاع المصرفي». ولفت إلى أن «القطاع المصرفي هو القطاع الأكبر في التوطين مقارنة بالقطاعات الاقتصادية الأخرى»، مشيراً إلى أن «12 مصرفاً حققت نسبة توطين بلغت 100٪ في مناصب مديري الفروع». وذكر الجسمي أن «لجنة تنمية الموارد البشرية في القطاع المصرفي والمالي رصدت حركة تنقلات واستقالات في أوساط الموظفين في القطاع المصرفي، أبرز أسبابها يكمن في تفاوت الامتيازات بين القطاعين الحكومي والخاص، إضافة إلى ضعف الدخل الشهري وعدم وجود مسار مهني واضح، علاوة على الأسباب الاجتماعية والعائلية الخاصة»، منوهاً بأن «هناك آليات جديدة لرفع نسبة التوطين في القطاع المصرفي والمالي تعمل اللجنة على توفيرها دعماً لسياسة التوطين في الدولة». |
من جهتهم، قال مصرفيون إن السبب الذي يساق دائماً من قبل المواطنين الذين يتركون عملهم في البنوك أو الذين يرفضون التعيين أصلاً يركز على عدم منحهم يومين إجازة أسبوعية، أو البحث عن الراتب الأعلى، مشيرين إلى أن هناك حاجة إلى تحسين مستويات التعليم المؤهلة للعمل المصرفي حتى يوضع المواطنون في وظائف حيوية.
وأكدوا أن المؤهلات التعليمية التي يحملها المواطن، وكذا عدم الرغبة في تحمل المسؤوليات الإدارية طالما أن هناك راتباً جيداً في الموقع الوظيفي الحالي يحدان من ترقيات المواطنين.
إلى ذلك، أكدت بيانات رسمية صادرة عن المصرف المركزي، حصلت «الإمارات اليوم» على نسخة منها، أن عدد المواطنين الذين تركوا العمل في القطاع المصرفي خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام الماضي بلغ 401 مواطن ومواطنة، إذ تراجع عددهم من 12481 مواطناً بنهاية ديسمبر 2010 إلى 12080 مواطناً بنهاية نوفمبر .2011
ضغوط
وتفصيلاً، قالت الموظفة المواطنة في أحد البنوك، (ميرا.أ)، إن «العمل المصرفي ممتع لكن لفترة محدودة، إذ لا نستطيع الاستمرار فيه بسبب ضغوطه الكثيرة ومردوده الضعيف»، موضحة أن «الإدارة تضع المواطن في الوظائف الدنيا بعيداً عن الأخرى التنفيذية، التي تكسب الموظف خبرة مع مرور الوقت، وإذا اعترض أحد يكون الرد أن ذلك يتم وفق خطة تساعدنا على الوصول إلى الوظائف التنفيذية، إلا أن ذلك لا يطبق على أرض الواقع، ما يدفعنا إلى ترك المكان إذا أتيحت فرصة أفضل».
ولفتت إلى أن مرور وقت طويل من دون تطور وظيفي أو ترقية يوجد شعوراً بالملل ورغبة أكيدة في التغيير، مشيرة إلى أن ثلاثة من أكفأ زميلاتها في القسم نفسه تركن العمل العام الماضي بسبب مرور أكثر من عامين على تعيينهن من دون ترقية.
بدوره، قال الموظف المواطن في مصرف محلي، (خالد.س)، إنه يواجه مشكلة تكمن في اضطهاد مديره المباشر، إذ دأب على التقليل من شأن ما يقوم به، وينسب كل العقود التي ينجح في تحصيلها إلى نفسه، مضيفاً أن راتبه لا يتجاوز 15 ألف درهم، على الرغم من أن زملاءه يتقاضون 25 ألفاً في الدرجة نفسها.
وأكد أنه تلقى قبل تعيينه عرضاً من شركة تعمل في قطاع الاتصالات براتب 30 ألف درهم، لكن حبه للعمل في القطاع المصرفي جعله يرفض العرض ويقبل العمل في المصرف.
من جانبها، قالت الموظفة المواطنة، (شيخة.ع)، إن «الدرجة الوظيفية الواحدة في البنك الذي تعمل فيه بها ثلاثة مستويات، تتضمن فارقاً كبيراً في الراتب في ما بينها، فهي تتقاضى 9000 درهم على الرغم من مرور 10 سنوات على عملها بالبنك، وغالباً ما يتم تعيين المواطنين في المستوى الأدنى، على الرغم من أن كثيراً منهم لديه كفاءة وقدرة على إنجاز العمل، ولا يتركون أماكن عملهم إلا بعد انتهاء وقت الدوام الرسمي بساعة إضافية على الأقل يومياً».
وأكدت «زملاؤنا الوافدون يتلقون بدل سكن وبدلات تعليم لأبنائهم وتذاكر سفر سنوية وكثيراً من المزايا التي لا يقابلها للمواطن سوى بدل 2000 درهم شهرياً».
إنصاف
في السياق ذاته، قال الموظف المواطن، (عبدالله.ي)، إن «المعايير التي يتم بها تسكين المواطنين في الدرجات الوظيفية غير واضحة، وبها كثير من الغموض الذي يجعل المواطن يشعر بالظلم وعدم المساواة مع مرور الوقت، ليكتشف لاحقاً أنه الأقل في كثير من المزايا»، ولفت إلى أن «الراتب الأساسي للموظف المواطن قليل جداً، ما يجعل مكافأة نهاية الخدمة قليلة جداً، وعندما نسأل عن السبب يقال لنا إنها سياسة البنك».
وأشار إلى أن «النسب التي تعلن عنها البنوك للتوطين غير دقيقة بالنظر إلى وجود آلاف الموظفين الوافدين بعقود مؤقتة يشكلون قوة العمل الحقيقية»، مطالباً الجهات الرسمية بالتدخل لوضع سياسة منصفة تضمن استمرار المواطنين في أماكنهم بالمصارف، خصوصاً أن غالبيتهم تعلموا جيداً ولديهم إمكانات تؤهلهم لإدارة هذا القطاع المهم.
من جانبه، قال مدير إدارة شركة تابعة لبنك وطني، (ي .أ)، إنه «على الرغم من مرور قرابة 20 عاماً على عمله بالبنك إلا أنه يصطدم كثيراً بمديره الأجنبي، الذي لا يعترف بالكفاءات المواطنة ويسخر من أي أفكار تطويرية، والذي أحضر إلى البنك كثيراً من أبناء جنسيته، على الرغم من وجود مواطنين لا يقلون في الكفاءة عنهم».
وأكد أنه فكر مرات عدة في ترك مكانه، إلا أنه لا يشعر بقدرته على العطاء في مجال آخر، إذ بذل جهداً كبيراً جداً حتى وصل إلى منصبه الحالي، كان يمكن اختصاره لو وجد إدارة وطنية تحرص على المواطنين»، لافتاً إلى أن بنكه أقر الزيادات السنوية لجميع الموظفين بنهاية العام الماضي، مستثنياً علاوة المواطنين.
وقال (أحمد.م) إنه ترك العمل المصرفي على الرغم من أنه وصل إلى منصب مدير الخدمات المصرفية، ولم يستطع تحمل الضغط اليومي والحرب النفسية من الجنسيات الأخرى، رغم أن القطاع كبير وعدد الموظفين المواطنين به قليل».
إجازة أسبوعية
مصرفياً، قال المدير العام للقطاع المصرفي المحلي في بنك أبوظبي الوطني، سيف الشحي، إن «العذر الذي اعتدنا سماعه من الموظفين المواطنين عند تركهم العمل، هو عدم وجود إجازة يومين أسبوعياً مثل الدوائر الحكومية، فالعمل المصرفي له طبيعة خاصة كونه قطاعاً خدمياً، يعمل ستة أيام في الأسبوع».
وأوضح أن «الأمر ينطبق أيضاً على المناسبات والأعياد، إذ تأخذ البنوك عدد أيام أقل من الإجازات، الأمر الذي يتعارض دوماً مع ثقافة المواطن وأهمية وجوده وسط أسرته في مثل هذه المناسبات».
وأضاف الشحي، أنه «على الرغم من ذلك فإن هناك إقبالاً من الشباب المواطن على العمل المصرفي، خصوصاً من الجيل الجديد الذي يحظى بالدعم والتشجيع والمزايا التي تهدف إلى تحسين أوضاعهم»، مشيراً إلى أن «نسبة التوطين في (أبوظبي الوطني) 34٪ على مستوى جميع الفروع».
شقّان للمشكلة
من جانبه، قال مواطن يشغل منصب مدير إدارة في بنك وطني، طلب عدم نشر اسمه، إن «مشكلة التوطين في القطاع المصرفي ذات شقين، الأول يتعلق بالمواطن نفسه، وهو يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية فيه، والثاني يخص البنوك والمؤسسات المالية التي تقوم بالتوظيف».
وأوضح أن «كثيراً من المواطنين تتاح لهم الفرص، لكن نظراً إلى أن مستويات التعليم الجامعي لدينا مازالت دون نظيراتها الخارجية، فإن قدرة المواطن على شغل وظائف مهمة تكاد تكون منعدمة، ما يدفع إدارات البنوك إلى تسكينهم في الأماكن البسيطة، مثل خدمة المتعاملين أو مراكز الاتصال أو الاستقبال، ما يجعل فرص الترقي والانتقال إلى كوادر أعلى أكثر تخصصاً ضئيلة جداً، ومن الطبيعي أنه بعد مرور عامين أو ثلاثة على الموظف الذي يشغل وظيفة ليس بها ترقّ أو إبداع أو تطور أن يمل ويبادر بالبحث عن بديل وأن يخرج كلياً من القطاع»، مؤكداً أن «البنوك جهات تجارية تراعي في المقام الأول مصلحتها، ومن ثم تفضل الإدارات تعيين الوافد صاحب الشهادات والخبرة على المواطن». وأشار إلى وجود نماذج من الشباب المواطن لا يتحمس لتحمل المسؤوليات وشغل مواقع إدارية، طالما أن هناك راتباً جيداً في موقعه الحالي. وتابع المصرفي أن «البنوك الحكومية تمنح المواطنين رواتب كبيرة تراوح بين 25 و30 ألف درهم شهرياً، وهو رقم لا يأخذه أي موظف خريج دون خبرة في أي مكان بالعالم»، مشدداً على أن «الدولة وفرت الكثير لتحفيز أبناء الوطن على أخذ دورهم في هذا القطاع الحيوي، إلا أن هناك ثغرات لابد من معالجتها تتعلق بمستويات التعليم وتقاعس الموظف نفسه عن أخذ زمام المبادرة، وتحمل المسؤولية وتفضيله العمل الحكومي لرواتبه العالية وإجازاته الكبيرة». وأضاف أن «الجزء الآخر من المسؤولية تتحمله إدارات البنوك، فهي تمنح المواطن راتباً أساسياً أقل بنسبة 25٪ عن نظيره الوافد، ما يجعل مكافأة نهاية الخدمة للمواطن ضعيفة، وهو ما يجعل القطاع المصرفي محطة قصيرة في الحياة الوظيفية للمواطن». وتابع أن «البنوك تبحث عن المدير الأجنبي إذا توافر لديها شاغر في مستويات الإدارة العليا، وهو ما يوجد حالة من الإحباط للشباب الكفء الذي تعلم جدياً ولديه إمكانات وحماسة ويتطلع لشغل مناصب قيادية».
إحصاءات
إلى ذلك، أكدت أحدث بيانات صادرة عن المصرف المركزي، زود بها «الإمارات اليوم» المتحدث الرسمي باسم المصرف، مدير دائرة الخزانة، سيف بن هادف الشامسي، أن عدد المواطنين الذين تركوا العمل في القطاع المصرفي خلال الـ11 شهراً الأولى من العام الماضي بلغ 401 مواطن ومواطنة، إذ تراجع عددهم من 12 ألفاً و481 مواطناً بنهاية ديسمبر 2010 إلى 12 ألفاً و80 مواطناً بنهاية نوفمبر .2011
وأظهرت البيانات أن نسبة المواطنين العاملين في القطاع المصرفي تراجعت إلى 32.4٪ من إجمالي العاملين في القطاع المصرفي، البالغ عددهم 37 ألفاً و248 بنهاية نوفمبر الماضي، بعد أن كانت تمثل 33.4٪ من إجمالي العاملين في القطاع بنهاية ديسمبر .2010