تحوّل بيانات كل وجه إلى كود رياضي أو بصمة للوجه ليمكن بعدها المقارنة والعثور خلال ثوانٍ قليلة على الوجه المطابق

تقنيات التعرّف إلى الوجوه تتعدى على خصوصية الأفراد في الأماكن العامة

الواقع التكنولوجي يرصد الفرد على مدار الوقت ويسجّل تحركاته وعاداته. غيتي

ربما يقترب البشر من فقدان ميزة دائماً ما توافرت لهم، وهي إمكانية التجول في الزحام أو في الأماكن العامة دون أن يتعرف إليهم أحد بسهولة سوى معارفهم وأصدقائهم، فسيتيح الاستخدام الواسع لتقنيات التعرف إلى الوجوه، من قبل المتاجر والجهات الحكومية وحتى مستخدمين عاديين، استخدام صورة الوجه للوصول الى المعلومات المتوافرة على الإنترنت أو في قاعدة بيانات خاصة عن الشخص.

وفي الواقع تعتمد التقنية على مطابقة الصورة الملتقطة حديثاً للوجه بأخرى مخزنة، وغالباً ما يتطلب عملها من الشركة أو الجهة الحكومية إنشاء قاعدة بيانات تتضمن صوراً ولقطات فيديو للأفراد، ثم توفير نظام يستخلص قياسات معقدة، ومن ثم يحول بيانات كل وجه إلى كود رياضي أو بصمة للوجه، ليمكن بعدها المقارنة بين صورة وجه شخص دخل إلى متجر أو مقهى بالصور المتاحة في قاعدة البيانات ليعثر خلال ثوانٍ قليلة على الوجه المطابق والمعلومات المرتبطة به.

وهو ما يُشير الى أهمية قاعدة البيانات التي تتضمن الصور مع المعلومات الشخصية، سواء كانت خاصة بجهة معينة أو متاحة على الإنترنت، كما هو الحال في مواقع مثل «فيس بوك» و«لينكد إن»، فمن دونها ستبقى التقنية والخوارزميات الرياضية، مهما بلغت كفاءتها أو جودة تصميمها، كسيارة دون وقود لا يمكنها التحرك في أي اتجاه، ما جعل البعض يرى أهمية أن تتوجه طلبات الضغط القانوني والاجتماعي إلى أصحاب قواعد البيانات، تماماً كما تستهدف مصممي تقنية التعرف إلى الوجوه ومستخدميها.

وتُطرح العديد من الأسئلة حول تحديد الاستخدام الملائم لتقنيات التعرف إلى الوجوه، وآليات قبول ورفض المستهلكين لخدمات تتعرف إلى صورة الوجه في الوقت الحقيقي، كما تُثير مخاوف جدية بشأن الخصوصية تصل إلى إحساس الفرد بالمطاردة وفقدان إحساس الحرية في الأماكن العامة، وهي واحدة من صفاتنا الشخصية الفريدة.

وتستخدم بعض متاجر التجزئة بالفعل تقنية التعرف إلى الوجوه لإحباط عمليات السرقة، وتحديد اللصوص، وتعمل شركة «إن إي سي» على تطوير برنامج يتيح للشركات والفنادق التعرف إلى زوارهم من الشخصيات بالغة الأهمية أو «في آي بي».

أما شركة «فيس فيرست» الأميركية فتطور خدماتها لمساعدة مديري متاجر التجزئة على التعرف الى لصوص المحال، إلى جانب برامج موازية تتيح لهم التعرف الى المستهلكين الذين يحتاجون الى مساعدة. وبحسب ما توضح الشركة على موقعها على الإنترنت فيُمكن لأصحاب المتاجر تحميل الصور المتاحة لديهم لأعضاء التجمعات المنظمة لجرائم سرقة متاجر التجزئة، وكذلك صور الأشخاص الذين يهتمون بهم، وأفضل عملائهم.

وتضيف «فيس فيرست»، أنه بمجرد دخول أحد أصحاب هذه الصور، تُرسل الشركة إلى المتجر بريداً إلكترونياً أو رسالة نصية تتضمن صورة الشخص والمعلومات الشخصية المتاحة ليتسنى لهم اتخاذ الإجراءات الفورية الملائمة.

ويتصور الرئيس التنفيذي لشركة «فيس فيرست»، جوزيف روزنكرنتز، أن المتاجر ستستفيد من برنامج شركته في التعرف الى المتسوقين، وإرسال عروض مخصصة إلى هواتفهم الذكية، مع الحصول على إذن عملائها وموافقتهم على هذا الإجراء أولاً.

كما تستخدم بعض المطارات الدولية تقنية التعرف إلى الوجوه للتعرف الى الموظفين والمسافرين الدائمين، ويقترح موقع «فيس بوك» على مستخدميه أسماء الأشخاص الموجودين في الصور التي يرفعونها لإضافة الوسوم «تاج» الخاص بهم، كما سبق وأعلنت «غوغل» أنها لن تُجيز تطبيقات التعرف الى الوجوه لنظارتها «غوغل غلاس» في هذا الوقت.

ومع ما يراه البعض من فوائد استخدام تقنية التعرف الى الوجوه، سواء بتوفير عروض خاصة أو تحديد اللصوص، فإنها تُثير مخاوف حقيقية على خصوصية المستهلكين. وأشار مدير مبادرات الخصوصية في «الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات» في الولايات المتحدة، جون فيريدي، إلى ما يُقدمه الاستخدام التجاري لتقنية التعرف الى الوجوه من فوائد مهمة تدعم موجة جديدة من الابتكار التكنولوجي، وفي الوقت نفسه تطرح تحديات لخصوصية المستهلك.

وتعتزم مجموعة من خبراء التقنية والمدافعين عن حقوق المستهلكين مناقشة العديد من الجوانب المتعلقة باستخدامها، نهاية الأسبوع في واشنطن، ضمن سلسلة نقاشات تنظمها «الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات»، ويتوقع مسؤولو الإدارة التوصل لمدونة سلوك طوعية تُنظم استخدام التقنية.

كما سيكون على المجتمعين التطرق إلى التطبيقات الجديدة، مثل «نيم تاج»، الذي أطلقت نسخة تجريبية منه لنظارة «غوغل غلاس»، ويُنتظر إطلاق إصدار آخر للهواتف الذكية، يُتيح للمستخدمين التقاط صور لأشخاص والوصول لمعلومات شخصية، مثل وظائفهم وحساباتهم في الشبكات الاجتماعية. ويرغب بعض المنظمين في «الكونغرس» تمرير قانون جامع يتيح للمستهلكين الحقوق الأساسية للتحكم في كيفية جمع تفاصيل شخصية عنهم واستخدامها بصرف النظر عن التقنية المستخدمة.

وتأتي الاجتماعات جزءاً من مبادرة قدمها البيت الأبيض في عام 2012 لإعداد وسم تشريعات مرجعية اتحادية لخصوصية المستهلك.

لكن تقنية التعرف الى الوجوه تبدو أكثر خطورة؛ فهي تشبه إلى حدٍ ما تسلسل الحمض النووي (دي إن إيه) الذي يقيس ويسجل أنماطاً بيولوجية فريدة من نوعها لكل فرد. ومثل الخوف من انتشار البيانات الوراثية، تدور النقاشات حول ما إذا كان لدى الأفراد الحق في التحكم في الجهات التي يحق لها الوصول إلى بياناتها الحيوية وكيفية استخدامها.

ويرى بعض خبراء الحريات المدنية في تقنية التعرف الى الوجوه تدخلاً واضحاً لإمكانية استخدامها سراً لتحديد الأشخاص وتعقّبهم، وتزداد مخاوفهم في ضوء تسريبات المتعاقد السابق مع «وكالة الأمن القومي» الأميركية، إدوارد سنودن، ويرون أنه بمجرد تمكّن الشركات من الوصول إليها فستصل إليها الحكومات أيضاً.

وقال المستشار التشريعي لقضايا الخصوصية في «الاتحاد الأميركي للحريات المدنية»، كريستوفر كالابريس: «أنت كفرد يجري رصدك على مدار الوقت، وتسجيل تحركاتك وعاداتك»، ووصفه بالواقع التكنولوجي المخيف للغاية.

أما أحد رواد تقنية التعرف الى الوجوه، جوزيف أتيك، فيراها أقوى بكثير من الأدوات القائمة المستخدمة في تتبع المستهلك، وأضاف أنه مع الأخذ في الاعتبار الانتشار الواسع لكاميرات الهواتف المحمولة والأشخاص الذين يمكن التعرف الى أسمائهم من صورهم المنشورة على الإنترنت، فقد تتيح تقنية التعرف إلى الوجوه للشركات قريباً الربط بين شخصية الفرد على الإنترنت ووجوده الفعلي في مكان عام محدد، ما يُهدد قدرتنا على البقاء غير معروفين في الأماكن العامة.

 

 

 

طباعة