يوفر إشارة اتصالات بعيدة المدى وقوية بلا انقطاع بين الفضاء والأرض

علماء: نجاح اختبارات أول نظام راديوي فضائي معرفي في التاريخ

النظام الراديوي المعرفي يعتمد على موجات الراديو اللاسلكية ويتمتع بخاصية استشعار وإدراك. من المصدر

كشف علماء في مجال الاتصالات الراديوية الفضائية بعيدة المدى، عن نجاح اختبارات التشغيل المبدئية لأول نظام اتصالات راديوي فضائي معرفي في التاريخ، قادر على تعديل وإعادة ضبط إعداداته بنفسه دون تدخل بشري، ليتعامل مع مختلف الظروف السائدة من حوله، ويؤمّن إشارة اتصالات قوية ومستقرة وبعيدة المدى عبر ملايين الكيلومترات بين الأرض والقمر والكواكب الأخرى، وفي مقدمتها المريخ.

وأعلن عن هذا التطور فريق مشترك من العلماء في «معهد ورسيستر للبحوث التطبيقية»، و«جامعة ولاية بنسلفانيا» و«وكالة ناسا الفضائية»، من خلال ورقة بحثية تفصيلية حول النظام الجديد، نشرها الفريق الأسبوع الجاري على موقع «مؤسسة سبكترم العلمية».

نظام راديوي

يقصد بالنظام الراديوي المعرفي، نظام الاتصالات المعتمد على موجات الراديو اللاسلكية الذي يتمتع بخاصية استشعار وإدراك، والوعي بمختلف الظروف المحيطة به، والتدرب على فهمها، وبالتالي ضبط إعدادات النظام، وتهيئته ليعمل على أفضل الخيارات التي تضمن توليد إشارة اتصالات قوية مستقرة لا يشوبها الانقطاع.

وتتم عملية التحسس والإدراك والفهم، وضبط الإعدادات، ووضع أفضل الخيارات بصورة دورية متكررة متصلة طوال الوقت، بحيث تتم إجراءات ضبط إعدادات النظام وإعادة تهيئته في الوقت الحقيقي دون انقطاع.

وتعود فكرة الراديو المعرفي إلى عام 1998، حينما تحدّث عنها للمرة الأولى الباحث في المعهد الملكي للتقنية في ستوكهولم، الدكتور جوزيف ميتولا الثالث، ومنذ ذلك الحين، تم تنفيذ العديد من المشروعات للوصول إلى أنظمة الاتصالات الراديوية الإدراكية، لكن معظمها كان محدود النطاق.

الفضاء والاتصالات

وأوضح العلماء في ورقتهم البحثية أن البعض يتصور أن الفضاء الخارجي، أو تلك المساحات الهائلة من الفراغ، تعد بيئة مثالية للاتصالات اللاسلكية، وهذا التصور ليس سوى خدعة شائعة، لأن الفضاء الخارجي مملوء بالكثير من العوامل التي يمكن أن تعطل الاتصالات اللاسلكية، وفي مقدمتها الإشعاعات التي يتضمنها الغلاف المتأين للأرض، والتي تسبب إضعاف الاتصالات والربط اللاسلكي بين الأقمار الاصطناعية والمحطات الأرضية، كما أن الفضاء يمتلئ بانبعاثات راديوية محيطة ذات مستوى منخفض، تعرف بـ«الضوضاء الكونية» التي تأتي من النجوم الزائفة، والشمس، ومركز مجرتنا «درب التبانة»، ومعها أيضاً إشعاع الخلفية الكونية المؤلف من موجات الميكروويف. وعلى الرغم من أن كل هذه الانبعاثات ضعيفة وباهتة، فإنه يمكن أن تطغى على إشارة لاسلكية مسافرة عبر مسافات بعيدة المدى عبر الفضاء، وتعمل على قطع الاتصال.

والمشكلة هنا أن هذه العوامل كافة، تنطوي على قدر عالٍ من التغيير السريع والمفاجئ وغير المعروف، ما يستدعي تغيير إعدادات نظام وأجهزة الاتصالات بصفة دائمة حتى تتلاءم مع هذه الظروف، لكن واقعياً توجد هذه العوامل في أماكن وبيئات ومواقيت يستحيل أن يوجد فيها البشر، من أجل إعادة ضبط الأنظمة والمعدات، ومن هنا جاءت فكرة «الراديو المعرفي» الذي يكون لديه القدرة على التحسس والوعي والفهم والإدراك، ثم تنفيذ إجراءات الضبط، وإعادة التهيئة تلقائياً دون الحاجة إلى وجود البشر.

الذكاء الاصطناعي

لجأ العلماء إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي لبناء نظام الراديو المعرفي، واستخدموا تقنيتي الشبكات العصبية، وتعلّم الآلة. وذكر العلماء في ورقتهم البحثية أنه عند تصميم نظام الاتصالات اللاسلكية التقليدية، يستخدم المهندسون عموماً النماذج الرياضية لتمثيل الراديو والبيئة التي سيعمل فيها، وتحاول النماذج الرياضية وصف كيف يمكن للإشارات أن تتعامل مع المباني أو تنتشر في الهواء الرطب. لكن حتى أفضل النماذج لا يمكنها التقاط تعقيد البيئة الحقيقية.

أما في الراديو المعرفي، فإن الشبكة العصبية تجعل النظام يتعلم من البيئة نفسها بدلاً من النموذج الرياضي، إذ تستوعب الشبكة العصبية بيانات حول البيئة.


اختبار النظام

أكد الفريق العلمي أنه اختبر نظام الراديو المعرفي بين محطة الفضاء الدولية ومراكز التحكم الأرضية. وخلال الاختبارات، حافظت أجهزة الراديو المعرفية على إشارة واضحة بين الطرفين، بصورة غير مسبوقة. وأعرب العلماء عن اعتقادهم بأن النتائج التي تحققت تشير إلى أن أجهزة الراديو المعرفية الأكثر تقدماً والأكثر قدرة يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في المهمات الناجحة في الفضاء البعيد في المستقبل، حيث لن يكون هناك هامش للخطأ.

طباعة