الإمارات اليوم

تم الإعلان عنها في الذكرى 44 لانتصار 1973.. وأظهرت حقائق جديدة عن مشاركة أهل سيناء في المجهود الحربي

مصر تكشف عن وحدة استطـلاع ظلت 6 أشهر خلف خطوط العدو بعد حرب أكتوبر

:
  • خالد محمود - القاهرة
  • حرب أكتوبر شملت الكثير من جوانب الخديعة. أرشيفية
  • الجيش الإسرائيلي خُدع وأمكن تضليله قبل الحرب. أرشيفية

سمحت السلطات المصرية لأول مرة في الذكرى الـ44 لحرب أكتوبر، بالكشف عن «العملية لطفي» التي ظلت فيها مجموعة استطلاع مصرية بالبقاء ستة أشهر خلف خطوط العدو الإسرائيلي بسيناء أثناء وبعد حرب 6 أكتوبر 1973، لجمع المعلومات عن تحركات الجيش الإسرائيلي ومتابعة القيادة المركزية لها رغم انتهاء الحرب، وعاشت المجموعة في ظروف معيشية ومناخية ولوجستية صعبة، تحملها أفراد العملية ببسالة، ودعمهم في مهمتهم الوطنية أهالي سيناء عبر وسيط من قبائل شبه الجزيرة رافقهم في المهمة منذ انطلاقها حتى عودتها إلى السويس.

وكشفت العملية، التي نشر تفاصيلها قائد المجموعة اللواء أسامة المندوه في كتاب حمل عنوان «خلف خطوط العدو»، وكيل أول جهاز المخابرات المصرية العامة السابق، وأصدرته دار الشروق، أن الهدف الأساسي لها هو المتابعة الدقيقة لمركز القيادة والسيطرة الإسرائيلية الرئيس وقتها وسط سيناء، في «أم مرجم» و«مطار المليز الحربي»، ورصد كل حركات وسكنات ونوايا العدو في ذلك التوقيت الحساس، سواء وقت الحرب أو بعد وقف إطلاق النار، وهي عملية كانت تتابعها القيادة السياسية والعسكرية على أعلى مستوى، كما أنها تكشف حجم التلاحم الوثيق بين الجيش والمواطنين المصريين من قبائل سيناء في مواجهة العدو الخارجي.

تخطيط «العملية لطفي»

مشكلات مصيرية

ترصد صفحات متابعة تطورات العملية مشكلات متواصلة تحتاج إلى ذكاء ودأب من مجموعة الاستطلاع لمواصلة مهمتها في جمع معلومات عن تحركات العدو الإسرائيلي، منها انقطاع الاتصال أحياناً بمجموعات الاستطلاع الأخرى، أو الشك في وقوع الاتصال تحت قيادة العدو الذي يمكن أن يعطي معلومات تضليلية، وصعوبات تأمين صعود ونزول الشيخ حسب الله الذي ينخرط في النهار في حياة طبيعية حتى لا يلفت الأنظار، ثم يلتقي بالمجموعة حين يقترب الليل بعد أن تتم مشاهدته وهو يجمع الحطب كما يقضي اتفاق المجموعة، ومشكلات تأمين الحد الأدنى من الطعام والشراب، إذ لم يكن لدى المجموعة أكثر من تعيين تسعة أيام، واضطرار المجموعة لشراء جوال دقيق وعلب صلصة، وبعض الشاي والسكر والسجائر، وتأمينهم في مكان بعيد عن مخرات السيول ومياه الأمطار، وعبث الزواحف والحيوانات المفترسة، ليصبح غذاءها - أي غذاء المجموعة الوحيد طوال 6 أشهر هي فترة العملية - فطيرة «اللبة» كما يسميها بدو سيناء، حيث يوضع العجين في الجمر ويتم تغميسها بالصلصة، ثم كوب من الشاي.


اللواء أسامة المندوه قائد العملية لطفي.

ولد عام 1948 في محافظة الدقهلية، وتخرج في الكلية الحربية في ديسمبر 1967.

- شارك في حرب أكتوبر 1973 برتبة نقيب، وقاد العملية لطفي لمدة 6 أشهر خلف خطوط العدو الإسرائيلي.

- حصل على وسام النجمة العسكرية تقديراً لبطولته أثناء الحرب، وحصل على ميدالية الخدمة الطويلة ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى عام 2012.

خدم في جهاز المخابرات العامة المصرية حتى وصل إلى موقع وكيل أول الجهاز.

وقال الكتاب إن التخطيط لـ«العملية لطفي» بدأ في 6 أكتوبر 1973 حين قام قائد كتيبة الاستطلاع وقتها العقيد أركان حرب محمود عبدالله، ومعه رئيس عمليات الكتيبة المقدم صلاح كامل، باستدعاء قائد المجموعة النقيب أسامة المندوه، وأبلغاه بإسناد مهمة خاصة له خلف خطوط العدو على المحور الأوسط في سيناء، تحظى - أي المهمة - باهتمام بالغ من أعلى مستوى عسكري وسياسي، وطلبوا من المندوه انتقاء أربعة جنود لمعاونته، وكشف قائد الكتيبة للمندوه أن «المطلوب هو دفع المجموعة (لطفي) إلى عمق سيناء، وسط سلسلة مضايق مثل مضيق الصبحة والمخازين والمحجر والرويسات وجبل أم رجمة وجبل سحابة»، مشيراً الى أن «الأرض في هذه المنطقة غير صالحة في معظمها لسير المركبات، كما أنه لا توجد مياه عذبة في هذا المحور، وأن التركيز سيكون على الوصول إلى قلب هذه المنطقة، خصوصاً أن قاعدة المليز الجوية تضم المطار الأول الذي تعتمد عليه إسرائيل في مواجهة القوات المصرية، حيث يضم ممراً رئيساً طوله 3000 متر وعرضه 40 متراً، وبه 13 دشمة لحماية الطائرات، وحظيرة صيانة، وبجانبه مطار هيكلي على بعد سبعة كيلومترات هو مطار شعير، والأهم أن بجانبه مركز القيادة والسيطرة المركزي في أم رجم، وبجانبه المركز التبادلي في أم مخسة».

واقعة إنسانية

ونوه الكتاب إلى معلومة إنسانية مؤثرة، حيث شملت الاستعدادات للعملية «تسجيلاً صوتياً» للنقيب أسامة المندوه، يطمئن فيها والديه وإخوته بأسمائهم، تم بثها لاحقاً كما لوكانت مباشرة إليهم حين طالت العملية، كما كشف أيضاً عن موقف شابه سوء فهم، حين حدث أول اتصال مباشر بين المندوه وأحد أفراد أسرته قرب انتهاء العملية، حيث أخطأ المندوه في إجابة سؤال حول تفصيلة مالية عائلية، فتخيلت العائلة أن ابنها استشهد، وأن الذي يحادثهم شخص آخر.

انطلاق العملية

وتشرح السطور أن العملية بدأت بتناول إفطار رمضان في مطار ألماظة الجوي بحضور العقيد (وقتها) محمود عبدالله، والنقيب (وقتها) سامح سيف اليزل (توفي أخيراً برتبة لواء، حيث كان يرأس مركز الجمهورية للدراسات الأمنية)، وباعتماد العريف (وقتها) فتحي عبدالهادي كفرد لاسلكي للمهمة، والشيخ حسب الله من قبيلة الأحيوات السيناوية كدليل للمجموعة، وتم الاتفاق على إشارة التعارف إذا ألحقت قوات أخرى بالمجموعة، ولغة للتخاطب مع القيادة العامة، كما تم منح المجموعة 90 جنيهاً للإنفاق منها، والاتفاق على استغراق المهمة من 7 إلى 9 أيام لتصل إلى مقرها، وتلا ذلك صعود المجموعة إلى الطائرة المروحية «مي-8» والتحرك إلى مطار أبوصوير للتزود بالوقود، ومنه إلى منطقة الغرود في عمق سيناء، حيث أنزلهم الطيار مرسلاً لهم إشارة الوداع، التي ردوا عليها بعلامة النصر بعد أن تأكدوا من خلو المنطقة من الوجود الإسرائيلي خلف خطوط العدو.

وتستطرد سطور الكتاب لتشرح تفاصيل تحرك المجموعة ليلاً تحت ضوء القمر، في حذر وصمت، واتخاذها أشكالاً مختلفة في التحرك مرات على شكل مستقيم وأخرى على شكل مثلث، وعلى ظهر كل فرد منهم حمولة 30 كيلوغراماً تضم السلاح الشخصي والذخيرة والتعيين الجاف والمياه، وقد ساعدهم لحسن حظهم على نجاح عمليتهم انشغال القوات الإسرائيلية بمعارك أكتوبر الدائرة، لكن هذا الوضع استمر في الأيام الأولى فقط للحرب، إذ سرعان ما خرجت إسرائيل من حالة الدفاع الأولية، وعادت لتركز على العمق لكشف أماكن الاستطلاع المحتملة التي يمكن أن تخترق مؤخرة قواتهم، بما أدى بالتالي إلى تغيير المجموعة لتكتيكاتها.

ويشير الكتاب إلى محطة مهمة في العملية، تلك التي طلب فيها الشيخ حسب الله منهم محو آثار وجودهم في منطقة إنزالهم، والذهاب معه الى منطقة وجود قبيلته الأحيوات، حيث ضمن لهم هناك تأمينهم، وهناك طلب من أفراد من قبيلته تحريك قطيع من الأغنام لإخفاء آثار تحرك المجموعة، كما طلب من مجموعة الاستطلاع ارتداء ملابس بدوية، بدلاً من الزي العسكري الذي يرتدونه، لكن النقيب أسامة رفض حتى يحفظ حقه في التعامل كأسير حرب طبقاً لاتفاقية جنيف إذا وقع في أسر القوات الإسرائيلية، وقد انطلقت المجموعة من هذه النقطة بثبات محسوبة السير إلى محيط مطار المليز، وتم التحصن بأعلى نقطة جبلية، واستطلاع مكان جيد لتثبيت وتأمين أجهزة الإشارة، وإرسال أول رسالة إلى قيادة الجيش المصري لإعلامهم بوصول المجموعة، لتبدأ بعدها المجموعة في إرسال كنز المعلومات الذي لم يتوقف مدده عبر شفرة المورس، التي تعتمد على نبضات تتحاشى التواصل البشري المباشر.

خبرات خاصة

ويذكر المندوه في الكتاب إشارات خاصة أسهمت فيها خبرته الشخصية في ملاحظة بعض الأشياء، كقدرته على معرفة عدد الطائرات الإسرائيلية التي سقطت عبر متابعته عدد الطائرات الخارجة من مطار المليز والعائدة إليه، ومطابقته رقم هذه الطائرات بالعدد الذي تعلنه القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية وإذاعة «بي بي سي»، وملاحظته عدم تحرك بعض رادارات مطار المليز، وهذا يعني أن الضربة الجوية المصرية الأولى نجحت في إصابتها بالشلل، وغير ذلك من التفاصيل.

صيد ثمين.. ديفيد بن إليعازر

وتتوقف السطور عند لحظة مهمة في العملية هي متابعة مجموعة الاستطلاع لوصول رئيس الأركان العامة الإسرائيلية وقتئذ الجنرال ديفيد بن إليعازر، وبرفقته رئيس الأركان العامة وقتها الجنرال إسحق رابين إلى مقر القيادة الجنوبية الإسرائيلية في أم مرجم، ورصد المجموعة لتأخر حضور الجنرال إرئيل شارون لمدة ساعتين لتعطل طائرته الهيلكوبتر أثناء إحضاره، ذلك الاجتماع الذي وضع فيه بن اليعازر خطة الهجوم المضاد على رؤوس الجسور في 8 أكتوبر لوقف الهجوم المصري، وهو الهجوم الذي فشل بعد صده من الجيشين الثاني والثالث، وقد استطاعت المجموعة رصد هذا الفشل بملاحظتها سيل عربات الإسعاف القادمة من الشرق، رغم وجود المستشفيات الميدانية، واندفاع التعزيزات الإدارية إلى مطار المليز.

مواسير وليس صواريخ

وتكشف الصفحات أن مجموعة الاستطلاع، علاوة على سيل المعلومات اليومي الذي كانت تقدمه، مثل مراقبة تحركات العدو على الطرق، وتسجيل المعدات والأسلحة التي تتحرك وتوقيتاتها، وإعداد برقية مجمعة بأنشطة اليوم، وإرسال البرقية اللاسلكية الى القيادة العامة للجيش المصري؛ وضعت مجموعة الاستطلاع يدها على تطورات خطيرة نوعية عن الوضع العسكري على الجبهة الإسرائيلية، نقلتها بدورها الى القيادة المصرية، ومنها رصدهم لمحاولة الجنود القادمين في الدبابات الإسرائيلية من العريش التقاط صور مع البدو والجمال، وهو سلوك غريب على الجندي الإسرائيلي المعتاد على هذا العالم، الأمر الذي جعل البدو يشكون في أن يكون هؤلاء الجنود أميركيين وليسوا إسرائيليين، ومنها أيضاً رصد المجموعة شحن إسرائيل مواسير طويلة وضخمة ومعها أحجار، وتمييز هذا عن الصواريخ كما اعتقدها البعض، هذه الأشياء التي تم استخدامها لاحقاً في إحداث الثغرة، كما رصدت أيضاً إجراء إسرائيل تعديلاً على تنظيم تشكيلاتها المدرعة.

إسرائيل تبحث عن المجموعة

وترصد السطور اقتراب إسرائيل من كشف المجموعة في الأيام الأخيرة، وكانت إمكانية الانكشاف الأولى حين قال الشيخ حسب الله ان ضابط مخابرات المنطقة الشرقية الإسرائيلي طلب منهم التعاون معه لكشف رفات الشهيد طيار عاطف السادات الذي استشهد أثناء قصفه مطار المليز، أما الاقتراب الثاني والأهم فقد جاء صريحاً حين طالب ضابط المخابرات الإسرائيلي مجموعة من مشايخ سيناء بتعاونهم معه بعد أن كشف الضابط عن اكتشافه عبر المتابعة لمجموعة استطلاع مصرية بالمنطقة، ولإغرائهم تعهد الضابط بمنح سيارة مرسيدس لمن يقدم له معلومات قيمة عن هذه المجموعات. وقد تطور هذا الاقتراب الإسرائيلي حيث شاهد قائد العملية لطفي بنفسه عربات إسرائيلية جيب تمشط المنطقة ومعها مجموعات عمل طوبوغرافية ظلت تقترب إلى الحد الذي جهز فيه هو والعريف فتحي أسلحتهما للاشتباك معهم، كما تطورت الملاحقة الإسرائيلية أيضاً الى واقعة أصعب، حين كاد قصاص أثر أسود تابع للمخابرات العسكرية الإسرائيلية يعثر عليهم بعد أن أصبحت بينه وبين المجموعة أمتار لولا تدخل العناية الإلهية.

رحلة العودة

يختم الكتاب أحداثه برواية رحلة العودة، حيث صدر قرار من قيادة الجيش المصري في 16 مارس 1974 للمجموعة بانتهاء مهمتها والرجوع من سيناء، هي ومجموعة مشابهة كانت موجودة في نقطة أخرى، وقد تم تجميع الفريقين وتكليف الشيخ حسب الله بإحضار 10 جمال تم التحرك بها عبر دروب سيناء بقيادة عدد من البدو من قبيلة «الاحيوات»، ليجدوا عربات جيب تنقلهم إلى مكتب مخابرات السويس، التي استقبلتهم بمائدة عامرة، وكانت بالصدفة ليلة عيد الأضحى المبارك، ثم إلى مقر الكتيبة حيث استقبلوا بالزينات، ثم زاروا أسرهم ليلة واحدة، والتقوا بعدها بالقائد العام للقوات المسلحة وقتها المشير أحمد إسماعيل، الذي منح قائد المجموعة «نجمة سيناء».

وقال اللواء أسامة المندوه في تصريحات إعلامية إن «نشره للكتاب جاء حرصاً منه على تقديم محتوى حقيقي وموثق تقرؤه الأجيال التي لم تشهد حرب أكتوبر 1973، ولا تملك معلومات حقيقية عنها، وهي تشكل 75% من الموجودين اليوم».

وشدد المندوه على أن مهمته التى قضاها خلال حرب أكتوبر فى العملية «لطفي» كان مقرراً لها أن تستمر ستة أيام بدءاً من يوم السادس من أكتوبر إلا أنها استمرت ستة شهور، لما قدمته من معلومات مهمة للقوات المسلحة خلال الحرب من رصد أول بأول لعمليات الإمداد للجيش الإسرائيلي، مضيفاً أنه نظراً لنجاح العملية وتحقيق أكثر مما كان يتوقع منها قام المشير أحمد إسماعيل وزير الحربية باستقبالهم عقب العودة منها مباشرة، الذي أكد لهم في اللقاء أن سبب بقاء العملية تلك المدة يرجع لأهمية المعلومات التي كان يمد بها أفراد المجموعة الجيش المصري في تلك الفترة.

من جهته، قال مؤرخ المقاومة الشعبية الكاتب الصحافي محمد الشافعي، لـ«الإمارات اليوم»، إن «الدور الوطني لأهل سيناء ضد الاحتلال الاسرائيلي أسهم بشكل فعال في انتصارات الجيش المصري، سواء في فترة حرب الاستنزاف أو في حرب أكتوبر 1973». ونوه الشافعي إلى «ضرورة كشف الجوانب المختلفة لهذا الدور في الوقت الراهن الذي تحاول فيه قوى ظلامية وتكفيرية وخارجية أن تشوه أو على الأقل تخفي هذه الصفحات المجيدة، كما يكتسب هذا أهمية إضافية بعد تباعد الزمن عن فترة الحرب، وحتى تتشرب الأجيال الجديدة روح الآباء والأجداد في أن المقاومة الشعبية لا تقل أهمية عن الجيش الوطني في المواجهة مع العدو لحظة الحقيقة».