اليابان تقدم مركبة جوالة.. وإيطاليا تطور وحدة سكنية لرواد الفضاء ضمن نموذج جديد للتعاون في «أرتميس»
«ناسا» تشترط صفقات مجدية لمشاركة الدول في رحلات القمر
إسحاقمان وضع معايير أكثر وضوحاً لطبيعة التعاون المستقبلي بشأن اتفاقات «أرتميس». من المصدر
إذا كانت الدول الموقعة على اتفاقات «أرتميس» الفضائية تتساءل عما يتعين عليها تقديمه لضمان المشاركة الكاملة في برنامج العودة إلى القمر، فإن إيطاليا واليابان تقدمان نموذجاً عملياً يوضح الطريق إلى تحقيق ذلك، ووفقاً لموقع «آرس تكنيكا»، فقد وجه مدير وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، جاريد إسحاقمان، أخيراً، تحدياً إلى الدول الراغبة في المشاركة، واضعاً معايير أكثر وضوحاً لطبيعة التعاون المستقبلي.
وقال إسحاقمان: «أود أن أخبركم، وهذا توجيه مباشر من أعلى المستويات، أي من رئيس الولايات المتحدة، بأننا لن نعقد إلا صفقات جيدة ومجدية».
ويطرح هذا التوجه تساؤلات بشأن الأسباب التي دفعت «ناسا» إلى تبنّي نهج أكثر صرامة، يركز على الجوانب العملية والتجارية في التعاون الدولي، بدلاً من السعي إلى إرضاء جميع الأطراف المشاركة.
وأوضح إسحاقمان أنه بعد محاولات سابقة لتحقيق التوافق بين مختلف الدول، في إطار اتفاقات «أرتميس»، توصل إلى أن هذا المسعى كان «في بعض الأحيان يشكل عبئاً يعيق المهمة بدلاً من تسريع وتيرتها».
ولم يكن مستغرباً أن يتبنّى إسحاقمان، الذي كوّن ثروة صافية تقارب ملياري دولار انطلاقاً من الصفر، هذا الموقف الحازم، القائم على إعطاء الأولوية للصفقات التي تحقق قيمة عملية واضحة لبرنامج الفضاء الأميركي، وقد استوعبت إيطاليا واليابان، وهما من الدول الموقعة على اتفاقات «أرتميس»، هذه الرسالة، ونجحتا في إبرام اتفاقات مع «ناسا» وصفها مديرها بأنها صفقات ناجحة ومجدية.
تقنيات ومعدات
في عام 2024، أبرمت اليابان اتفاقية مع «ناسا» تقضي بإتاحة الفرصة أمام اثنين من رواد الفضاء اليابانيين للسفر إلى القمر ضمن المهام المستقبلية للبرنامج، ومن المحتمل أن يشارك أحدهما في مهمة «أرتميس 4»، التي تستهدف تنفيذ عملية هبوط على سطح القمر، في إطار الجهود الرامية إلى استئناف الرحلات البشرية إلى سطحه، بعد انقطاع استمر منذ مهمة «أبولو 17» في ديسمبر 1972.
وفي المقابل، ستوفر اليابان مركبة جوالة مخصصة لاستكشاف سطح القمر، في مساهمة تعكس طبيعة التعاون الذي تسعى «ناسا» إلى تعزيزه، والقائم على تقديم الدول الشريكة تقنيات ومعدات ذات فائدة مباشرة للمهام الفضائية.
وعلى خلاف المركبات الجوالة التي استخدمت خلال مهام «أبولو»، ستكون المركبة اليابانية مغلقة ومجهزة لتوفير بيئة معيشية مناسبة لرواد الفضاء، بما يتيح لهم تنفيذ رحلات استكشافية قد تستمر حتى 30 يوماً عبر سطح القمر.
وستسمح هذه المركبة لرواد الفضاء بالعيش داخلها والتنقل على سطح القمر من دون الحاجة إلى ارتداء بدلات الفضاء طوال الوقت داخلها، حيث ستوفر لهم بيئة محمية ومناسبة للإقامة خلال المهام الطويلة، ومن المقرر أن تحمل المركبة اسم «الطوافة القمرية»، وأن تتمتع بقدرة على العمل بصورة ذاتية ومستقلة، الأمر الذي قد يعزز كفاءة الاستكشاف ويمنح الرواد قدرة أكبر على التحرك بعيداً عن مواقع الهبوط.
وحدة سكنية
من جهتها، تعمل إيطاليا على تعزيز مشاركتها في برنامج «أرتميس»، من خلال المساهمة في إرسال رواد فضاء إيطاليين إلى القمر ضمن المهام المستقبلية، وفي المقابل ستتولى وكالة الفضاء الإيطالية توفير وحدة سكنية مصممة لاستيعاب رائدي فضاء لمدة تراوح بين سبعة أيام و30 يوماً.
وقد تجهز هذه الوحدة بعجلات تتيح نقلها إلى مواقع مختلفة على سطح القمر، مع إمكانية تحريكها وتثبيتها بدقة في المكان المطلوب، بما يوفر مرونة إضافية لعمليات الاستكشاف والإقامة خلال المهام القمرية.
نموذج للتعاون
وتعكس الخطوتان اليابانية والإيطالية نموذجاً للتعاون الذي تسعى «ناسا» إلى ترسيخه، حيث تحصل الدول المشاركة على فرص لإرسال رواد فضائها إلى القمر، في مقابل تقديم مساهمات تقنية أو تشغيلية ملموسة تدعم تنفيذ المهام، ومن شأن هذا النموذج أن يتيح للدول الأخرى، وكذلك للمنظمات الخاصة، تحديد المجالات التي يمكنها من خلالها تقديم قيمة فعلية للبرنامج، بدلاً من الاكتفاء بالرغبة في المشاركة.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: ما الدول الأخرى التي يمكنها الاستفادة من هذه الفرصة، وتقديم مساهمات تؤهلها للمشاركة في المهام القمرية المقبلة؟
تتمتع كندا بموقع متقدم يؤهلها للمشاركة في هذا المسار، على الرغم من التوترات الراهنة في علاقاتها مع الولايات المتحدة، فقد شارك رائد الفضاء الكندي جيريمي هانسن، بالفعل في رحلة للدوران حول القمر ضمن مهمة «أرتميس 2»، وهو ما يعكس حضور كندا في البرنامج، ويفتح المجال أمام استمرار مساهمتها في المهام المقبلة.
كذلك قد تتمكن بعض الدول الأوروبية الكبرى، التي تمتلك موارد مالية وقدرات تكنولوجية متقدمة، من التوصل إلى اتفاقات تتيح لرواد فضائها المشاركة في مهام إلى القمر، وتشمل هذه الدول المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وربما بولندا أيضاً، في ظل إمكانات التعاون المتاحة أمام الدول الأوروبية في مجال استكشاف الفضاء.
وفي آسيا، تمتلك كل من الهند وكوريا الجنوبية برامج فضائية خاصة بها، وهو ما قد يمنحهما فرصة لتقديم مساهمات تقنية أو تشغيلية تتيح لهما التفاوض على اتفاقات مع ناسا، بما يفتح الطريق أمام مشاركة رواد فضائهما في المهام القمرية، وربما السير على سطح القمر مستقبلاً.
النشاط التجاري
وتشير هذه الاحتمالات إلى أن المشاركة في البرنامج لن تعتمد بالضرورة على حجم الطموحات الفضائية للدول وحده، بل ستتطلب أيضاً تحديد ما يمكن لكل دولة تقديمه من تقنيات أو معدات أو خدمات تسهم بصورة مباشرة في إنجاح المهام.
وفي نهاية المطاف، لن تحتاج المؤسسات والأفراد الراغبون في الذهاب إلى القمر إلى حسن نوايا وكالة فضاء وطنية للقيام بذلك، فمع تطور القمر اقتصادياً، ستعمل شركات تجارية، مثل «سبيس إكس» و«بلو أوريجين» على تطوير بنية تحتية للنقل تتيح نقل البشر والشحنات من وإلى أقرب جيران الأرض، وبذلك سيبدأ عصر فضائي حقيقي يتمحور حول النشاط التجاري. مارك وايتنغتون* *متخصص في الكتابة عن سياسات الفضاء. عن «ذا هيل»
• اتفاقات تربط مشاركة رواد الفضاء بتوفير تقنيات ومعدات تدعم المهام الأميركية وتفتح المجال أمام دول أخرى.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news