5 دقائق

    بوعرّاب ونيتشه

    عبدالله القمزي

    يتمتع بوعرّاب بعلاقات وثيقة بالفيلسوف فريدرتش نيتشه، تكفيك جولة في أعماق «تويتر» لتجد ما يصل إلى عشرات وربما مئات الحسابات التي تهيم بكتابات الرجل وحكمه. بوعرّاب الحالمون الغارقون في كتابات الرومانسية والفلسفة والفكر المستنير لديهم طرق عجيبة وغريبة للتعبير عن مكنونهم لا تجدها عند أي أحد من شعوب الأرض.

    تدخل حساباً لتجد فيديو مغردة تقرأ من كتاب مغرق في الرومانسية وينابيع الحب، ولو بحثت قليلاً بين السطور ستجد نيتشه يلوح بيديه خلف العنوان. المهم في الفيديو بالنسبة لي ليس أنه ينضح ثقافة وعلماً ورومانسية وطلاسم فلسفية. لكن في إخراجه الرهيب!

    هناك إضاءة خافتة رومانسية وتوجد شمعة تزيّن «عمق» المشهد، ويظهر اسم ماركة معروفة في الخلفية، وصوت فتاة تقرأ الصفحة وكله أحاسيس مفعمة ورومانسية مرهفة، وفي الخلفية موسيقى والمشهد غاية الابتذال.

    يذكرني الفيديو بفوازير شريهان في الثمانينات الجميلة! لكن هناك أشياء استوقفتني: ما الذي يجعل مستخدم «تويتر» يضع فيديو كهذا؟ لو أتحدث عن نفسي لفضلت القراءة الصامتة! طبعاً عن أي شيء إلا نيتشه! وهل هذا الفيديو المسبق التحضير بشمعة وموسيقى واسم ماركة وينقصه كوب قهوة مثلاً يعكس مجرد مشاركة؟ كل التحضير لهذه اللقطة من أجل «لايكات وريتويت».

    ماذا استفدت أنا وغيري من صوت يقرأ لي على اعتبار أن عشاق نيتشه لا يصلون إلى 1% من مستخدمي المنصة؟ ولو مررتَ على المعلقين والمتابعين من فئة بوعرّاب لوجدت إعجاباً شديداً! هل كل المعلقين فهموا الكلام الذي في الفيديو أم هم مثلي؟ وكم نسبة المجاملين منهم؟

    ادخل إلى «بروفايل» حسابات مغردين (بوعرّاب)، واقرأ كيف يعبرون عن أنفسهم وهواياتهم. في البداية تجد الجملة التعريفية المرعبة (رئيس/‏‏‏ مدير/‏‏‏ مستشار)، لكن لا أحد يكتب عاشق نيتشه فقط! ثم تأتي الجملة التعريفية: أتنفس الفلسفة وأتجول في ربوع المنطق أو عاشق القراءة ووطني الكتابة، أو أحلامي حدودها السماء ولا أتنازل عن مبادئي.

    ما الذي يجعلنا نحن بوعرّاب نعشق الابتذال والعبارات الطويلة الخاوية من أي معنى والأقرب إلى موضوع تعبير إنشائي لطالب في الثانوية العامة؟ ولماذا نقلد بعضنا بعضاً إلى أن يصبح المقلدون نسخة مشوهة؟ مَن الذي بدأ بالابتذال؟

    لماذا يعشق بوعرّاب نيتشه ولا يتحدثون كثيراً عن سقراط وأفلاطون وبطليموس؟ ولماذا لا أجد مغرداً واحداً يعبر عن نفسه بجملة واضحة مباشرة تنتهي عند مسماه الوظيفي؟

    ماذا أستفيد لو علمت أنه يسبح في بحر القراءة ويمارس التزلج على ثلوج الكتابة؟ ماذا أستفيد لو علمت أنه عاشق نيتشه؟ والأهم: لماذا يكتفي الأجانب باقتباسات لنيتشه وغيره ولا أجد لديهم تمجيداً، وفيديو لمغرد يقرأ لي من كتاب؟ للعلم توجد قناة يوتيوب بريطانية تتحدث عن الفلاسفة دون شموع وقهوة وابتذال.

    بالعربي: منذ أن جاء اختراع «سوشيال ميديا» أصبح من الصعب جداً إبقاء الأمراض النفسية مخبأة داخل البشر، لكن تبقى مسألة عقلنة وشرعنة الفكر الفلسفي في عقول خاوية أهم مسألة مطلوب علاجها. العبارة السابقة من تأليفي وليست لنيتشه!

    Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

    لقراءة مقالات سابقة للكاتب يرجى النقر على اسمه .

    طباعة